لقد تناولنا في مقالة سابقة مدعّمة بالمصادر التأريخية كيف أن المندائيين هم الخلف الفعلي للبابليين والسومريين من قبلهم (مصدر1). 
لم تكُن الحضارة السومرية أول حضارة للبشرية فقط وإنما كانت حضارة عظيمة، ووصلت إلى حد كبير في العلم والأدب، ولهذا فعِند سقوطها وتمزيق مُدنها أستولت الأقوام الأخرى على إنجازاتهم التأريخية وأدبهم، حيث يقول عالم السومريات صموئيل نوح كريمر بعد إنهيار الحضارة السومرية: فقد أخذ الأكديون والآشوريون والبابليون هذه الأعمال الأدبية بكاملها تقريبا. وترجم الحثيون والحوريون والكنعانيون بعضا منها إلى لغاتهم الخاصة، وقلدوها بلا شك تقليدا واسعا. وتأثرت صيغة الأعمال الأدبية العبرانية ومحتواها، بل حتى أعمال قدماء الإغريق تأثرت إلى حد ما تأثرا عميقا بالأعمال الأدبية السومرية (مصدر2)، حتى أنَّ كتاب العهد القديم ليس إلا إقتباس مُباشر للأدب السومري وخليفته البابلي (مصدر3). 
وكان لهذه الحضارات العظيمة والتي بقيت إنجازاتها محط إعجاب العالم لغاية الآن، كانت لها قوة إقتصادية وتجارية كبيرة, ساعدها موقعها على رأس سواحل الخليج العربي, حيثُ أنّ مياه الخليج العربي كانت تصل إلى جنوب مدينة بابل وحدود مدينة ميسان في حدود الألف الثالث ق.م (كما مُبين في الصورة أعلاه مصدر 5 ص), وبعدها تستمر السفن التجارية القادمة من الخليج بالإبحار في نهري دجلة والفرات حتى تصل إلى غرب وشمال العراق وتقترب من البحر الأبيض المتوسط وجنوب أوروبا وهي بهذا كانت تُمثل طريق السفر الأمثل للبضائع والتجارة (مصدر4). 
ولكن وبسبب ترسبات مياه نهري دجلة والفرات، تراجع الخليج من سواحل بابل ومدينة ميسان الحالية تدريجياً حتى وضعها الحالي (مصدر5&5.5). 
ميسان كانت تُسمّى (خاراكس) أو الكرخ وتعني بالآرامية المدينة المسوّرة، وكان سُكانُها من المندائيين رُغم وجود ديانات أخرى (مصدر6&7), وفي نفس المصدر كان قد وصفها وفد الزعيم الصيني بان جاو الذي زارها سنة 97 ميلادية، حيثُ قال عنها بأنها مُحاطة بالماء من كُل جانب وتكثُر فيها الأسود والجمال والنعام وكانت مركزاً تجارياً رئيسياً على الخليج العربي, وتوجد العديد من المصادر المندائية تُبين أنّ تجمعات الناصورائيين كانت موجودة في ميسان, كما في قصة ماني حيثُ أخذه أبوه إلى ميسان وعُمره أربعة سنوات ليتم تكريسه من قبل رجال الدين المندائيين في ميسان (مصدر11).
ولكن لو طرحنا سؤالاً منطقياً وهو أين هي الآثار المندائية المُتبقية ولماذا لم توثق بنفس الكُثرة التي وثقوا بها الأقوام الأخرى التي سكنت العراق، وربما يكون الجواب هو أحد الأسباب التالية أو جميعها معاً 
1- لقد بدأت اللغة الآرامية الشرقية (المندائية) قبل الميلاد ببضع مئات من السنين، بينما كانت السومرية ثم الأكدية هي الشائعة في ميسان ويُرجح بأنهم قد بقوا يتداولون بها حتى وقت متأخر، ولهذا فعلى الباحثين عن الآثار المندائية إعتبار مرجع البحث هو اللغة السومرية والأكدية وليست المندائية. كما ويجب البحث عن جوهر الفلسفة المندائية وليس رموزها الحديثة مثل الدرافشا (والذي كان شعاراً ليهيا يوهانا), وحتى كتاب الكنزا ربا حيثُ أنه رُبما لم يكُن قد تم تجميعه بكتاب واحد، وإنما بدواوين مُنفصلة أو بنصوص غير مُباشرة، وهذا لأن التدوين المندائي للمندائيين قد بدأ بعد بدء الخطر التبشيري ضدهم في بداية الميلاد، وذلك لأن عملية التدوين هي غير مُستحبة لرجال الدين كونها تسمح بكشف الأسرار والتعاليم المندائية السرّية، والتي كانت تُنقل شفوياً ضمن السُلالات الدينية المندائية.
2- أن مُعظم الديانات التبشيرية المُهيمنة لم تكُن تسمح (ولاتزال لا تسمح) بنشر أي مُكتشفات للديانة التوحيدية الأولى، والتي أخذوا منها الكثير وذلك لما له من تأثير سلبي مُباشر عليهم وعلى قصصهم الدينية.
3- أن مُعظم الأماكن الآثارية في ميسان غير مُكتشفة، حيثُ يوجد أكثر من 3600 موقع أثري لم يُكتشف بعد (مصدر8).
4- أن وجود الثروة النفطية الهائلة في هذه البُقعة يمنع إعطاء الأهمية للمواقع الأثرية، ولكي لا تؤثر على الحقول النفطية التي تحفُر وتُدمّر الأرض وآثارها (مصدر9).
5- نحن نتحدّث عن مهد الحضارات في بلد الحضارات، وحيثُ أنّ الحُقب التأريخية المُختلفة تكون فوق بعضها البعض ولعشرات الأمتار تحت الأرض، وهذا طبعاً يستدعي مهارات وإمكانات تنقيبيه هائلة لا تتوفر الآن ولم تكُن مُتوفرة سابقاً. هذا فيلم توضيحي قديم أُعدَّ من قبل المتحف البريطاني ومُتحف اللوفر وجامعة أوكسفورد, عن التنقيب في المُدن السومرية يُبين الطبقات الحضارية المُتعاقبة وكيف أنّها فوق بعضها البعض (مصدر10).
لقراءة الجُزء اللاحق”مملكة ميسان المندائية (الجزء الثاني)”
https://mandaean.home.blog/2019/05/13/مملكة-ميسان-المندائية-الجزء-الثاني/

سنان سامي الجادر 
المصادر للجزء الأول
1
https://mandaean.home.blog/2019/05/13/السومريون-البابليون-المندائيون-الجز/

2
https://qudaih24.com/…/…/السومريون-تاريخهم-حضارتهم-وخصائصهم/
3
https://kitabat.com/…/من-سومر-إلى-التوراة-الحضارة-السومرية…/
4
العلاقات العراقية المصرية في العصور القديمة, محمد صبحي عبد الله, ص17
5
الصلات الحضارية بين العراق والخليج العربي, قصي التركي, ص49
5.5
https://www.thinglink.com/scene/570213211761016832
6
موسوعة المدن والمواقع في العراق – الجزء الثاني. بشير يوسف فرنسيس، ص881 
7
http://www.m.ahewar.org/s.asp?aid=547475&r=0
8
http://www.alnoor.se/article.asp?id=319286
9
http://www.diwanalarab.com/spip.php?article31860
10
https://www.youtube.com/watch?v=wz8L0J3_OEo
11
http://www.syriacstudies.com/2017/11/30/%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%A7%D9%86%D9%88%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%A7%D8%A8%D9%84%D9%8A%D8%A9-%D8%A3%D8%B3%D8%A7%D8%B3-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%B5%D9%88%D9%81-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A7%D9%82-3/?fbclid=IwAR2_reRfyygCWiYzp8zQog8nd65WwxH8iYvKWc5IJwaeiLrtI0HWPHzeTNY