
تتحرّك الأساطيل الأميركية اليوم في حلقاتٍ ضيّقة حول العراق وإيران، تحت شعار معلَن هو كبح البرنامج العسكري الإيراني، وربما يحمل هذا الشعار شيئًا من الحقيقة، غير أنّ الهدف الأعمق يبدو أقرب إلى سياسة التخويف والردع منه إلى إشعال حرب شاملة طويلة ومكلفة لا يرغب بها أحد. فالحرب المفتوحة مع طهران تعني استنزافًا زمنيًا وبشريًا واقتصاديًا لا يمكن التحكّم بمآلاته، لذلك يميل أصحاب القرار إلى استعراض القوّة ومحاصرة الخصم دون دفع المنطقة إلى الانفجار الكبير.
لكن ما يصحّ على إيران لا ينطبق بالضرورة على العراق، فالعين الإسرائيلية كما يراها كثير من المراقبين تتجه إلى العراق بوصفه الحلقة التالية في مشروع تفكيك دول المنطقة بعد إغراق سوريا في الفوضى وإضعاف جيشها وتحويلها عمليًا إلى ساحة منزوعة السلاح، مفتوحة أمام الضغوط السياسية والعسكرية متى شاءت القوى الكبرى.
الخطة التي جُرِّبت في سوريا تبدو بسيطة في جوهرها: صناعة فراغ أمني وسياسي عبر الفوضى، ثم استثمار هذا الفراغ في تحطيم الجيش والسلاح الثقيل، بحيث تغدو الدولة عاجزة عن حماية حدودها، ومضطرة إلى قبول الإملاءات الخارجية. عندها يصبح التهديد باحتلال أي جزء من الأرض ورقة ضغط جاهزة للاستعمال في أي لحظة، تحت عناوين شتّى من مكافحة الإرهاب إلى حماية الأقليات.
في العراق، تبدو الطريق إلى الفوضى في هذا السيناريو أكثر يسرًا بسبب الإرث المثقل للميليشيات المرتبطة بإيران، وما ارتُكب على أيدي بعض عناصرها من انتهاكات بحق العراقيين، الأمر الذي ولّد نقمة شعبية عميقة في أوساط واسعة من المجتمع. حينها يمكن لأي ضربة موجّهة إلى هذه التشكيلات من قبل الولايات المتحدة وإسرائيل أن تتحوّل إلى شرارة انفجار داخلي؛ فالهجوم العسكري الخارجي سيلتقي مع الغضب الشعبي الداخلي، فيتصدّع جسد الدولة ويتعرّض الجيش لحالة شلل خطيرة، خاصةً مع تغلغل عناصر تلك الميليشيات في بعض مؤسسات الأمن والدفاع.
وفي لحظة التصدّع تلك، ربما ستجد إسرائيل فرصة سانحة لضرب البنية التحتية العسكرية والاقتصادية للعراق، وربما تفسح تلك الفوضى المجال للفصائل المسلّحة المتحالفة معها في شمال العراق كي تتقدّم نحو مناطق حساسة مثل الموصل وكركوك، فتفرض وقائع جديدة على الأرض يصعب التراجع عنها لاحقًا. ولو تحلّت الميليشيات ذات الولاء الإيراني بحكمة سياسية وقرأت المشهد بعين المصلحة الوطنية الخالصة، لبادرت إلى حلّ نفسها لتقوية الجيش النظامي وتجنيب العراق تحوّله إلى ساحة تصفية حسابات، بدلاً من أن تجعل من أرضه درعًا يُستنزف دفاعًا عن نفوذ إيران الذي لا يعني العراقيين بقدر ما يهدّد مستقبل دولتهم.
ويبقى الأمل معلّقًا بأن يحفظ الله الحيّ العظيم العراق، أرضًا وشعبًا وجيشًا، وأن يقيه شرّ المؤامرات والدسائس على ترابه ومياهه وحدوده، وأن يلهم أهله من الحكمة ما يجعلهم أقدر على إفشال مخططات الأعداء القريبين والبعيدين.
الترميذا سِنان سامْي الشيخ عَبد الشيخ جادِر الشيخ صَحَنْ