لم يكن الحصار الجائر الذي فُرض على العراق قبل الاحتلال لثلاثة عشر عاماً وحصد خلالها الجوع أرواح نصف مليون من أطفال العراق الأبرياء.

ولم تكن سياسة “الصدمة والرعب” التي قام بها رامسفيلد في 2003، وانهالت فيها القذائف على المدن والبنى التحتية والمؤسسات بكثافة ووحشية غير مسبوقة وبما يعادل سبعين قنبلة نووية (1)، ترافق ذلك مع استخدام اليورانيوم المنضب، الذي لم يكتفِ بتدمير الحاضر، بل لوّث الأرض وأثقل مستقبل الأجيال بإرث إشعاعي قاتل.

ولم يكن التدمير الشامل الذي ألحقوه بكل مفاصل الدولة العراقية: صناعاتها، جيشها، مؤسساتها، وحتى إرثها الحضاري وآثارها لم تسلم من الحقد والتدمير (2).

ومع ذلك، فإن الأخطر كان ما تلا الاحتلال، حين جاءت قرارات بريمر لتفكك كيان الدولة، بحلّ الجيش والأجهزة الأمنية، والمؤسسات، وفتح الباب أمام فراغ خطير. وتبع ذلك أنبطاح أوباما لإيران فسمح بتعاظم النفوذ الإيراني، حيث أُقصيت الكفاءات الوطنية العراقية، وحلّت محلها قوى ميليشياوية مدعومة خارجياً، سيطرت على مفاصل الدولة وقواتها الأمنية، ووجهت مواردها لخدمة مصالح خارجية، على حساب استقرار المجتمع العراقي ووحدته. وقد أسهم هذا الواقع في تمكين النظام الإيراني من تجاوز أزماته والحصار العالمي عليه بسبب برنامجه النووي، مستفيداً من ثروات العراق المنهوبة، في حين دفعت المنطقة بأكملها ثمن اختلال توازناتها التاريخية، التي كان العراق يشكّل أحد أعمدتها الأساسية قبل عام 2003.

إن معالجة هذا الواقع لا يمكن أن تقتصر على خطوات جزئية، بل تتطلب إعادة بناء شاملة للدولة، تبدأ بإحياء مؤسساتها الأمنية والعسكرية على أسس وطنية ومهنية، والعودة إلى نظام تجنيد يعزز الانتماء الوطني، ويستند إلى خبرات الكوادر العسكرية الحقيقية، القديمة منها والجديدة. وعندها فقط يمكن الشروع في بناء دولة عادلة، تتجاوز منطق الانتقام والتمييز، وتتجه بثقة نحو المستقبل.

أما نحن المندائيين، فقد كنّا من أكبر ضحايا هذه المأساة. اقتُلعنا من جذورنا، وتحوّلنا إلى شعب مشتّت في أصقاع الأرض، يواجه دينه أعتى تهديد في تاريخه الممتد لآلاف السنين. فقد اضطر أكثر من 95% من أبنائنا إلى الهجرة منذ الغزو، وسط موجات من العنف والاستهداف، مارستها جماعات مسلحة تحت ذرائع واهية – تارة بدعوى كون الصابئة أثرياء، وتارة بحجة كونهم ضعفاء.

غير أن ما يبدو أقرب للحقيقة هو بأن الاستهداف للصابئة كان سعياً ممنهجاً لإفراغ مناطق جنوب ووسط العراق من تنوعها الديني والعرقي، وحصرها في إطار مكوّن واحد وهو الذي تضع إيران نفسها وصيّة عليه. ولكي تستطيع لاحقاً احتلال تلك المناطق وضمّها إليها عندما يصبح الوقت مناسباً لهم.

وفي خضم هذا الألم، دعائنا لله الحيّ العظيم أن يخلّص العراق من المحتلين جميعاً وأن يعيده لأهله المخلصين ويعيدهم إليه.

الترميذا سِنان سامْي الشيخ عَبد الشيخ جادِر الشيخ صَحَنْ

1. 70 “قنبلة نووية” ألقتها الطائرات الأميركية على العراق خلال 20 يوماً.

2. دَمروا بابل وآشور.. ورقصوا

من mandaean