طاحون الذكريات مصيرنا جميعاً

توجد أغنية جميلة للأيقونة فيروز أسمها “كان عنا طاحون” وتتحدث عن الزمن الجميل الذي كان في الماضي وكيف كان الناس سعداء يلتقون بعمل جماعي حول طاحون مائي لطحن الحبوب. وكان جدّها هو القائم على ذلك العمل, وبعد أن تغير الزمن توقف الطاحون وتفرّق الناس وأصبح كل واحد في طريقه وأنّ جدّها توقّف عن العمل إلى أن أصبح هو نفسه طاحون للذكريات التي كانت, وأن التغير الوحيد الذي أصبح يؤثر فيه هو مرور الشمس وغيابها فوقه, وقد يشير ذلك إلى موت الجد أو نهاية رسالته الإنسانيّة بسبب عجزه وهرمه.

هذه هي الحقيقة التي يحتاج جميع الناس إلى فهمها وبأن طاحون الذكريات هي نهايتنا المحتومة جميعاً. ولكن هل نحن مستعدون لها أم نستمر بتأجيل هذا السؤال إلى أن يحين الأجل الموعود.

هنالك بعض الناس من غير المؤمنين وهؤلاء لايؤمنون بوجود حياة بعد الموت وربما لايؤمنون بوجود الخالق أصلا. وأن نظريات التجهيل موجودة بقوّة ومنها نظرية التطوّر التي تجادل بأن اللاشيء هو الذي أوصل العالم إلى تنوّع المخلوقات والتطور ومنها كان خلق الإنسان والحيوان وليس الخالق العظيم. ونحن لانحاول أقناعهم هنا.

المهم هو بأنّ كثير من الناس يسيرون في دربهم الذي ساقتهم به الأقدار ويتعاملون مع المخلوقات والطبيعة بخير أو شرّ أو كلاهما معاً. ولكن صورة الحياة الثانية ربما تكون موجودة لديهم بصورة ضعيفة وليست ملغية تماماً مثل غير المؤمنين. وبعض هؤلاء يستعدون للمحاسبة التي ستجري لهم في الحياة الأخرى حول خطاياهم أمّا بالنكران أو بأنهم كانوا جاهلين بالعواقب. وربما بعضهم يتجنب أن يسأل نفسه إذا ما كان مستعدّاً للمحاسبة عن أخطائه من الأساس.

* “لو عَلِمتُ أنّي سأموت

وأنّي سأقفُ موقفي هذا

في هذا الملَكوت

ما مَنعتُ سلَّةَ خُبزي عن الجائعين

ولا زيرَ مائي عن العطشانين” الكنزا ربا اليسار

ولكن جميع التبريرات في الحياة الأخرى عدى عن الصحيح, لن تكون ذات نفع لهم ولأن نشمثا وروح الإنسان عندما تخرج من جسده فأنها ستتصرف على فطرتها وتكون خارج الإرادة المنطقية وكما في الحلم, وليس هنالك من قناع أو غطاء يمكن وضعها على تصرفات النشمثا والروح كما يفعل البشر في هذه الحياة. فتجد في عالمنا بأن الجميع يتقمص شخصية مثالية أمام الناس ولكن جوهر الحقيقة هي بما يقوم به هذا الإنسان بالسر. فهل هو كاذب أم صادق؟ هل يبرر لنفسه السرقة والكذب في التجارة على سبيل المثال ويصفها بأنها شطارة؟ هل ينظر بعين الحسد للآخرين؟ هل تتحكم به غريزة الجنس والشهوات أكثر من الانضباط والأخلاق؟

* “أيَّتُها الوجوهُ غيرُ المُضيئات, ما صفاتُكِ وأنتِ تحملينَ هذهِ الزُّوّادات؟

هكذا سألَتْهم نشمثا المُضيئة.. نشمثا الحيّ البريئة.

في هذا العالمِ ارتَكَزْنا.. غَمَزْنا ولَمَزنا.. وخَدَعْنا وانتَهزْنا. عيونُنا ترَصّدَتْ, وآذانُنا أنصَتَتْ, وأيدينا سرَقَتْ وقتَلَتْ. قلوبُنا جَنَتْ, وأجسادُنا زَنَتْ, ورُكَبُنا إنثَنتْ.. فظَلَمَتْ وجارَتْ, وأرجُلُنا حافيةً إلى الشَّرِّ سارَتْ” الكنزا ربا اليسار

أنّ كتبنا الدينية تبين بأن كل هذه الاختبارات بالشهوات والأمانة والضعف الأخلاقي وبالمعرفة, سوف تمر على نشمثا وروح الإنسان في معراجها فإن سقطت في أحدى تلك الاختبارات فأنها سوف تُحجز في المطهرات لأنها لم تكن نقيّة بدرجة كافية.

“صَعِدْتُ فوقَ دارَةٍ أُخرى.. وإذا بامرَأة. شكلُها كانَ ما أجْرأَه. وأبصَرْتُ سَبعاً وستّين بِنْتاً لدَيها. يتَمايلْنَ بين يَدَيْها. عارياتِ النّحورْ. عارياتِ الصَدورْ. كلُّ مَن مرَّ يَسلُبْنَ منهُ الشُّعورْ.

أنتَ يا مَن تمرُّ علينا. قُل لنا اسمَكْ. ورَسْمَكْ. إسمَكَ الجِئْتَ تَحمِلُهُ مِن كنوزِ الضّياءْ. ثمَّ خُذ ما تَشاءْ.

وتَفَوَّهْتُ باسمي. ورسمي. ونظَرْتُ إليهِنَّ في كبرياءْ..

ثمَّ خرَجْتُ رافعاً رأسي. راضيةً.. طاهرةً نفسي..” الكنزا ربا اليمين

ولهذا فأن الحل الوحيد لمن كان لديه إيمان بوجود حياة أخرى وحساب بعد الموت, فهو أن يبادر إلى تصحيح جوهر الضعف الذي يعاني منه في سرّه وليس الذي يبينه أمام الناس وأن يبدأ منذ الآن قبل أن تنتهي رسالته ويأتي أجله.

فمن كان يعرف بأنه غير نزيه بتعامله المادي فعليه أن يبادر إلى تصحيح ذلك, ومن يعرف بأنه لا يستطيع أن يقاوم غرائزه وخاصّة الجنسية فعليه أن يتعلّم الانضباط ويحكّم الأخلاق, ومن كان أنانيّاً لا يساعد غيره فعليه أن يتعلّم الإيثار.

الترميذا سِنان سامْي الشيخ عَبد الشيخ جادِر الشيخ صَحَنْ

من mandaean