
ضمن سياق ما يمكن وصفه بمحاولات تشويه أو إعادة تشكيل التاريخ المندائي من قبل بعض المستشرقين، برزت نظريات تدعو إلى الفصل بين صابئة حرّان وصابئة البطائح، أو ما يُعرف بصابئة جنوب العراق. وقد استندت هذه الطروحات إلى تتبّع الروايات التاريخية بحثًا عن أي إشارة يمكن توظيفها لدعم هذا الادعاء، فتم التركيز على الرواية المقتضبة المتعلقة بالمأمون وصابئة حرّان والتي أتت على لسان أبي يوسف النصراني الذي كان معادياً لصابئة حرّان ضمن صراع الدولة البيزنطية ومحاولة أحتلال حرّان، ثم جرى تعميمها والبناء عليها بما يتجاوز حدودها الأصلية.
غير أن البحث العلمي المحايد في دراسة الأديان، بوصفها فلسفة وتاريخًا، لا ينبغي أن يقوم على التسميات أو ما يقوله الأعداء عنها؛ فالعنوان لا يكفي لفهم حقيقة أي دين، بل لا بد من الرجوع إلى النصوص الدينية لتلك الجماعات، بوصفها المصدر الأصدق لتحديد هويتها الفكرية والعقائدية.
وانطلاقًا من ذلك، وبالاستناد إلى جملة من الأدلة التاريخية التي عرضتها في كتابي “الإسلام والمندائية وجذورهما البابلية”، يتبيّن أن صابئة حرّان هم أنفسهم المندائيون، وأن فلسفتهم الدينية تتطابق مع فلسفة صابئة جنوب العراق. كما أن تحليل نصوص متعددة من تراث صابئة حرّان يكشف بوضوح تطابقها مع نصوص كتاب الكنزا ربا، الأمر الذي يشكّل دليلًا قويًا على أنهم كانوا يتّبعونه.
ويعزز هذا الاستنتاج وجود شواهد وأدلة إضافية،قمت بتوثيقها في فصول متعددة، ومنها صلواتهم الخمس وتوقيتاتها, وقبلتهم نحو القطب الشمالي, والمحللات والمحرّمات, وتشابه الفلسفة, ودلائل أخرى تتطابق جميعها مع التفاصيل المندائية الدقيقة منها والعميقة. وبما ينفي فرضية الفصل بين صابئة حرّان وصابئة البطائح ويؤكد وحدة الجذور والمرجعية الدينية.
وسوف نستمر بعرض أدلة أخرى من الكتاب حول هذا الموضوع المهم.
الترميذا سِنان سامْي الشيخ عَبد الشيخ جادِر الشيخ صَحَنْ
—
وفيما يلي مقتطفات من كتابي حول البحث في أصول صابئة حرّان:
أن وضع الصابئة ضمن أصحاب الكتاب في القرآن الكريم هو لا يقبل الشك والتأويل . ولهذا فنجد عُلماء مسلمين كبار يؤكدون ذلك ومنهم :
*** البيروني الذي أنكر قصة أبن سنكلا النصراني , التي يقول فيها باختلاف صابئة حرّان الذين يدعوهم بالوثنيين عن صابئة البطائح الموحدين , وسوف نأتي على سرد تلك القصّة وتفاصيلها في فصل لاحق.
فقال البيروني رداً على قصّته : ” نحن لا نعلم منهم إلا أنهم أناس يوحدون الله وينزهونه عن القبائح ويصفونه بالسلب لا بالإيجاب منزّه من الصفات السيئة ” . كقولهم : لا يُحد ولا يُرى , ولا يظلم ولا يجور , ويسمونه بالأسماء الحسنى مجازاً إذ ليس عندهم صفة بالحقيقة. وينسبون التدبير إلى الفلك وأجرامه ويقولون بحياتها ونطقها وسمعها وبعدها ويعظمون الأنوار “.
الخوارزمي , البيروني ابي الريحان ( بدون تاريخ): الآثار الباقية عَنِ الْقُرُونِ الخالية ، همدان ص 243-244
ولو نعود إلى بعض نصوص الكنزا ربا فنجد بالضبط ما تمّ ذكره من قبل البيروني :
* ” هو العظيمُ الَّذي لا يُرى ولا يُحَدُّ “
كتاب الكنزا ربا ( ۲۰۰۰ ) بغداد النسخة العربيّة . مطبعة الديوان اليمين , ص 2
* ” هو الَّذي لا حَدَّ لَهُ ولا كَيل , ولا تَدنو عَتمَةٌ من ضوئه ولا ليل . هو الجَلالُ والإتقان . هو العَدلُ والأمان . هو الرَّافَةُ والحَنان “
كتاب الكنزا ربا ( ۲۰۰۰ ) بغداد النسخة العربيّة . مطبعة الديوان اليمين , ص 2
* “ عُمقُك لا يُسْبَرْ , وقدرَتُكَ لا تُحصَرْ , وعظَمَتُكَ لا تُبصَرْ , وعُلاكَ من كلِّ شيءٍ أكبر . ها هم جميعاً خاشعون .. لا يعرفون اسمَكْ , ولا يتَبيَّنونَ رَسَمَكْ . طوبي للكاملين الذين عرفوك بقلبٍ نَقيّ فآمنوا بكَ مُخلصين , وخَشَعُوا لَعَظَمَتِكَ صادقين , طوبي للكاملين الصادقين “
كتاب الكنزا ربا ( ۲۰۰۰ ) بغداد النسخة العربيّة . مطبعة الديوان اليمين ص 3
النسخة الورقية للكتاب تطلب من المؤلف.
النسخة الإلكترونية
في متجر غوغل
في أمازون كندل