في النصوص المندائيّة لا تُستخدم كلمة “شيخ” عند الإشارة إلى رجل الدين، بل يُسمّى “ملكا”، أي “ملك”. وقد كان جميع الملوك السومريين والبابليين الذين حكموا مدن وإمبراطوريات بلاد الرافدين من الكهنة الملوك، أي إنهم جمعوا بين السلطتين الدينيّة والسياسيّة، وهو أصل نظام الحكم الذي يُعرف في عصرنا بـ”الثيوقراطية”. وعلى هذا المنوال، فإن رجل الدين المندائي، بوصفه امتداداً لتعاليم بلاد الرافدين، يُسمّى بالملك “ملكا” في النصوص الدينيّة.

كما يُشار إلى رجل الدين بحسب درجته الدينيّة، فيُسمّى “اشكندا” أو “ترميدا” أو “كنزبرا”. وقد يُشار إليه أيضاً بكلمة “ربي”، بمعنى المعلّم، وهي غالباً تُمنح لرجل الدين الذي قام بتكريس رجال دين آخرين.

أما أصل كلمة “شيخ” فيعود إلى الأصل الأكدي: “شاخو” أو “شياخو” (Ṡāhu, Ṡiahu)، وتعني الرجل الذي تقدّم به العمر وظهر عليه الشيب. وفي المندائيّة تُلفظ “شيخ” وتأتي بنفس المعنى الأكدي. وتوجد كلمات مندائيّة أخرى تعبّر عن الشيخ الوقور، مثل كلمة “سابا”، المرتبطة ببياض الشيب، ولها أصل أكدي هو “سيبو أو شيبو” (Ṡibu) ومقابلها العربي هي شايب. وكذلك كلمة “قشيش” التي تُستخدم للدلالة على الكبر والوقار، وترد في “بوثة قشيش” للتعبير عن الخالق العظيم الذي كان قبل الماء والضوء والنور والوقار.

وقد استمر استخدام كلمة “شيخ” من أصلها الأكدي والمندائي في العربيّة، حتى أصبحت لقباً لرئيس القبيلة، وهي الوحدة الأساسيّة في بناء المجتمعات قديماً. وأُطلقت على الرجل الذي يقود العشيرة، وهو منصب ينتقل بالوراثة من الآباء إلى الأبناء، فإن لم يوجدوا فإلى الإخوة، وفق معايير القرابة والعمر.

لقد كان رجال الدين المندائيون يقودون مجتمعهم منذ القدم، وكان السلك الديني ملكي ذا طابع وراثي ينتقل من الآباء إلى الأبناء. ومع تعريب العراق بعد الفتح الإسلامي، جرى تعريب بعض المصطلحات لتتلاءم مع الواقع الجديد في التعامل مع المسلمين. ومن ذلك تسمية “يهانا” التي صارت تُنطق أحياناً بمعناها العربي “يحيى” لإبراز أن للمندائيين نبياً معترفاً به في الإسلام، تجنباً لاتهامهم بالكفر. كما اعتُمدت كلمة “شيخ” للدلالة على رجال الدين، لكونهم قادة المجتمع المندائي، وصفاتهم بما يوازي تسمية شيخ العشيرة المسؤول في السياق العربي.

أنّ رجل الدين المندائي الذي يُطلق عليه الشيخ هو يختلف بمهامه عن الشيخ رئيس القبيلة. ففي حين أن شيخ القبيلة تكون مهمته هي الحفاظ على قبيلته ومساعدة أفرادها وتقديمهم على باقي القبائل, أي أنه ينحاز لهم بسبب صلة القرابة. ولهذا فتسمى علاقة أفراد القبيلة وانحيازهم لبعضهم البعض بالعصبيّة القبليّة, أي نصرة القريب سواء كان على حق أم على باطل.

ولكن رجل الدين المندائي الذي يسمّى عاميّاً بالشيخ, تكون أولوياته هي الحفاظ على الدين وإطاعة التعاليم التي يؤمن بها وتقديمها على أية أولويات أخرى, وحتى لو كانت تعارض أبناء قبيلته أو عائلته المقرّبة. ولأنه يعتبر نفسه بأنه شتلة غرسها منداادهيي وهو الذي سوف يحاسبه على أي تقصير يبدر منه, لأن الذي جلبه للفلسفة الدينيّة هو إيمانه وليس قرابته من العشيرة. ويجب عليه أن يعتبر جميع أبناء دينه هم أبنائه وأخوته, ولا ينحاز لأحد منهم على الآخر بسبب القرابة والمحسوبية ولكن مقياسه للأفضل هو بالعلم والإيمان والعمل الصالح.

أنّ المؤمنين وأهل الدين لن يقبلوا أن يحكمهم شيخ العشيرة لأن قانونه الأعلى لن يكون من النصوص الدينيّة وإنما من أعراف عشيرته. كما وأنّ العشيرة لن تقبل بأن يحكمها رجل دين, وإنما تريد شيخ عشيرة لأنه سيعطيهم التفضيل ويفصّل الدين على مقاسهم.

كما وأن شيخ الدين يوحّد ويجمع كل المؤمنين حوله من كل العشائر ومرجعيته نصوصه الدينيّة. في حين يجمع شيخ العشيرة ذوي المصالح والمنحازين له من أبناء عشيرته حوله ويعادي المؤمنين الآخرين حتى لو كانوا من عشيرته, عندما تتقاطع مصالح دينهم مع مصالح عشيرته أو أفراد مقربين منه.

ولهذا فأن شيوخ الدين المؤمنين لن يكونوا شيوخ عشيرة أبداً, فهم يخافون ويرتعبون من أن يرتكبوا الأخطاء بسبب المحسوبية والانحياز لأقاربهم فتتم محاسبتهم على ذلك عند نهاية حياتهم.

ولا يفوت الأوان على التوبة فيمكن لشيخ العشيرة الذي حصل على الدرجة الدينية بأن يصبح شيخ دين, ويجمع حوله أبناء دينه والمؤمنين جميعاً وليس أبناء عشيرته فقط مادام ذلك ممكناً. متى التزم بالعدل والحق والنزاهة وأطاع التعاليم بصدق وإيمان.

الترميذا سِنان سامْي الشيخ عَبد الشيخ جادِر الشيخ صَحَنْ

من mandaean