لقد هُجّر ما يقرب من 90% من المندائيين منذ الغزو الأميركي للعراق وما تبعه من أحداث، إذ رافقت تلك المرحلة موجات من الاعتداءات على المندائيين من قبل بعض الميليشيات تحت ذرائع متعددة. ويبدو أن الأرجح وراء تلك الهجمات هو السعي إلى إفراغ جنوب العراق ووسطه من الأقليات الدينية والعرقية، تمهيدًا لبقاء المكوّن الواحد الذي قد يُضمّ لاحقًا إلى إيران عندما تحين الظروف المناسبة لها.

والمهم في هذا السياق أن غالبية الكفاءات المندائية قد غادرت العراق، ما ترك مؤسسة الصابئة المندائيين من دون دعم كافٍ أو متابعة جدية. ورغم وجود مجلس عموم شكلي للعوائل أو العشائر المندائية، يُنتخب من قبل عدد محدود من الأشخاص عن كل عضو، إلا أنه لم يكن فاعلًا بالقدر المطلوب، ومع تقديرنا لجهود الطيبين فيه. فقد عجز هذا المجلس طوال فترة وجوده عن تقديم الكثير، ولم يكن له حضور مؤثر. وعندما يُسأل أعضاؤه عن أي شأن يخص مؤسسة الصابئة المندائيين، سواء في الإيرادات أو الأملاك أو المصاريف أو الإدارة أو خطط الدفاع عن الطائفة بوجه الاختراقات الكثيرة، فيظهر أنهم لا يمتلكون المعلومات الكافية، ولم يُطلعهم أحد على تفاصيل مهمة سوى خطوط عامة ومعلومات هامشية. ولهذا فأن الحفاظ على الطائفة في هذا الوقت بعد الهجرة يستوجب تغيير الآليات القديمة المتبعة في إدارة شؤون الطائفة والتي لم تعد صالحة للتحديات وآن أوان تحديثها.

إن طريقة عمل المؤسسة المندائية في العراق وآلية اتخاذ القرار فيها، سواء على الصعيد السياسي أو الاقتصادي أو الثقافي، تمس جميع أفراد الطائفة، ولها تأثير مباشر في حاضر المندائيين ومستقبلهم. وهي تؤثر في المندائيين في كل أنحاء العالم، ليس فقط من حيث الحفاظ على ديننا النقي والسمعة الطيبة التي ورثناها، بل أيضًا من حيث الحصول على الحقوق من الدولة العراقية لمن يرغب في العودة, أو لإنهاء معاملاته الرسمية والحفاظ على أملاكه, وكذلك في حالة وجود تهديد ضد الدين المندائي في المهجر من قبل المنظمات المعادية فتوجد لنا مؤسسة في بغداد تستطيع مخاطبة وزارة الخارجية العراقية لمساعدة المندائيين في الدفاع عن دينهم. أما المندائيون الذين شغلوا مناصب أو حصلوا على مكاسب من الدولة العراقية ضمن نظام المحاصصة، فلم يكن ذلك بسبب اجتهادهم الشخصي؛ وإنما لأنها مكاسب تخص التاريخ والمجتمع المندائي العراقي في كل الأزمان وتأثيرهم الذي كان منذ القِدم. لذلك فإن مسؤولية رفد المؤسسة المندائية بمن هم أهلٌ لتحمّل المسؤولية تقع على جميع المندائيين في العالم، وذلك بعد إصلاح هذه المؤسسة وتطويرها.

وقد ناقشتُ هذا الموضوع مع فضيلة رئيس الطائفة الريشما ستار الحلو، وبيّنتُ أننا بحاجة إلى توسيع النظام الداخلي لمؤسسة العراق ليصبح شاملًا لجميع المندائيين في العالم، بحيث يكون لهم الحق في الترشح للمناصب التي تُمنح للمندائيين من قبل الدولة، وكذلك الحق في الاستفادة من المؤسسة المندائية لإكمال معاملاتهم لدى مؤسسات الدولة العراقية ومتابعة أملاكهم وأبداء المساعدة للمندائيين في المهجر. وقد تفضّل مشكوراً بإرسال النظام الداخلي للمؤسسة المندائية في العراق، ليُصار إلى تحويله إلى نظام داخلي عالمي لا يستثني المندائيين العراقيين في أي مكان، بل يحتضنهم جميعًا. وسأقوم بنشره لاحقًا لتتم مناقشته بدقّة.

وبدون شك فبحكم كوننا طائفة دينيّة ولسنا مؤسسة اجتماعية أو ثقافية فأن مسؤولية قيادة الطائفة يجب أن تتم من قبل رجال الدين النزيهين والأكفاء يساعدهم أخوانهم من ذوي الخبرة والاختصاص من المجتمع المدني. وحيث أنّ موضوع تحويل النظام الداخلي لمؤسسة العراق ليكون شاملاً للمندائيين في كل العالم يتجاوز قدرات وتخصص مجتمع رجال الدين المحدودة. ولهذا فنحتاج إلى تشكيل تجمّع يضم المندائيين المختصين لكي يستطيعوا صياغته بصورة صحيحة ومن ثمّ يصبح شاملاً لكل المندائيين للنهوض بمؤسستنا العالمية وبالعمل المندائي الجماعي.

فيا أهلنا الكرام، لقد ازدادت التحديات التي يواجهها مجتمعنا الديني في المهجر والوطن. والخطر الحقيقي بات يهدد استمرار الدين المندائي، والمؤامرات تأتي من الخارج كما تأتي من الداخل، في ظل غياب تام لحرّاس الشرشا وانكفائهم على شؤونهم الخاصة. وإن لم يبدأ العمل لتصحيح المسار فورًا، فلن ترحم الأجيال القادمة أبناء هذا الجيل على ما فرّطوا فيه من دينهم. لذا نتمنى عليكم، يا أهلنا، مزيدًا من الهمّة والمساعدة واليقظة، وتشكيل تجمعات يقودها الشباب المتعلّم الواعي المؤمن والمُحب لدينه ولتاريخه العظيم, يعاونهم آباؤهم وأجدادهم من ذوي الخبرة والحكمة. فلا تبخلوا بجهدكم أو وقتكم أو اهتمامكم في الحفاظ على الجذر الأول للتوحيد والتواصل الإلهي.

الترميذا سِنان سامْي الشيخ عَبد الشيخ جادِر الشيخ صَحَنْ

من mandaean