
قبل أكثر من عامين، أعلن أحد رجال الدين عن اكتشافه لنصوص دينية مندائية جديدة لم تكن معروفة سابقاً. ونشر منها ديواناً واحداً أسماه ديوان الأسواثا.
إلا أن الغالبية العظمى من رجال الدين المندائيين الذين اطّلعوا على هذا الديوان وقاموا بدراسته, أكدوا بأنها نصوص مزوّرة. وقد صدر بيان رسمي من الطائفة يبطل ذلك الديوان ونصوصه, مع تهديد بطرد ناشره من السلك الديني. ولكن لم ينفّذ التهديد وفوق ذلك استمر رجل الدين لغاية الآن على محاولاته لجلب تبريرات حول ذلك الديوان وحتى نشره بالخفاء, بل ويعلن بين الحين والآخر امتلاكه نصوصاً ودواوين جديدة غيره. فأصبح لزاماً علينا البحث فيه وكشف حقيقته ومصدره لعامّة المندائيين.
كنظرة عامة على الديوان يمكن معرفة بأنه مكتوب بالحاسبة ولا توجد له نسخة أصليّة مخطوطة أو معروفة، ولم يشاهدها أحد. وأنّ نصوصه تتعارض بشدّة مع جميع نصوصنا وكتبنا الدينية فضلاً عن لغته الركيكة التي لا تشبه اللّغة المندائيّة الرصينة التي كتبت بها باقي كتبنا الدينيّة. يضاف لذلك استخدام الديوان بصورة رئيسية لمصطلح تلميدو كمخاطب للقارئ, بينما لم تستخدم النصوص المندائية هذا المصطلح مطلقاً ولا مرّة واحدة. ولكنه قد تم استخدامه في التلمود اليهودي البابلي حصراً وذكرت فيه كلمة تلميدو لمئات المرّات وتعني بالعبرية تلميذ/ متعلّم ومنه تمّت تسمية كتابهم (التلمود).
ولكن ماهي رسالة الديوان نفسه؟ ولماذا يتكبّد رجل الدين هذا والذين كانوا ورائه مشقّة تزوير هذه النصوص وكتابة هذا الديوان, ومحاولة دسّه مع بيت كنزي والتي هي مكتبة النصوص المندائيّة المعترف بها والموجودة لدى رجال الدين منذ آلاف السنين؟
أنّ الجزء الرئيسي من كتابات هذا الديوان هي عبارة عن نصوص مكرّرة وتتركّز على شيء واحد أساسي وهو معالجة قضايا النجاسة والطقوس الماجنة مثل اللواط والزنا والممارسات الفاسدة الأخرى. يضاف لذلك فهنالك نصوص فيها تعطي الحق لغير المندائيين بالدخول للدين المندائي وكذلك تجيز للنساء دخول السلك الديني, وغيرها من الاختلافات الجوهريّة الأخرى مع تعاليمنا.
ويُطرح هنا تساؤل منطقي: هل كان المجتمع المندائي يعاني فعلاً من انتشار واسع للذين يمارسون اللّواط والزنى والطقوس الفاسدة إلى الحد الذي يستدعي تأليف ديوان كامل لمعالجتها؟ والإجابة بكل تأكيد هي لا. فالفلسفة المندائية في أساسها تحرّم بشدة العلاقات الجنسية الفاسدة، مثل الزنا واللّواط وتبتعد عن كل النجاسات. وتوجد النصوص الكثيرة عن ذلك في الكتب الدينيّة المندائيّة جميعها, وتتوعّد الذين يمارسون الزنا بأن نشماثاتهم أو أنفسهم سوف تموت عندما يخرجون من أجسادهم, وهذا أحد النصوص:
* “تكلّم منداادهيي وأوضَحَ للمُختارين الصالحين..
أنَ نشماثا الرجال الزُناة والنساء الزانيات ..
وكذلكنشماثاالذينعَملواأعمالالشياطينالقبيحة ستفنىجميعها”الكنزاربا اليمين
وكذلك توجد نصوص أخرى تمنع رجال الدين حتى من عمل الطقوس الدينيّة للزُناة. وأمّا الذين يمارسون اللّواط فهم أسوأ.
وكانت هنالك مجموعات غنوصيّة في بدايات الميلاد وصولاً للقرن الرابع الميلادي, وتلك المجموعات كانت تعترف جميعها بألوهيّة المسيح أو تتبع التوراة. وكانوا معروفين بعلاقاتها الجنسيّة الغير مشروعة وخارج الزواج. وحيث أنهم كانوا لا يتزوجون ولكنهم كانوا يمارسون الزنا وممارسات جنسيّة فاسقة أدخلوها ضمن طقوسهم الدينيّة للعربدة الجنسيّة. كما تميّز سلكهم الديني بوجود نساء ضمنه. وقد امتلكت هذه الجماعات أناجيلاً ونصوصاً خاصة بها، إلا أن الكنيسة المسيحية رفضتها ولم تعترف بها، نظراً لما تضمنته من تعاليم تُجيز الممارسات الجنسية وتُنسبها إلى تعاليم المسيح.
وكانت لدى تلك المجموعات ممارسات تشمل حتى اللّواط وإقامة الطقوس الدينية باستخدام دم الحيض والأجنّة المجهضة ونجاسات كثيرة أخرى. ولأنهم حسب تعاليم بعض تلك الفرق الدينيّة فأنه يستوجب عليهم أن يقوموا بكل تلك الخطايا والنجاسات لكي تتحرر أرواحهم من السجن الأرضي. وبنفس الوقت فلن تدنسهم الخطايا الأرضيّة حسب إنجيل فيليب فيقول لهم: “بأنهم لآلئ لا يمكن لأي طين أو تلوّث من السلوك الأرضي أن يدنسها”
Yamauchi, Edwin M. (1970). Gnostic Ethics and Mandaean Origins. Cambridge: Harvard University Press. P 37
وفيما يخصّ الدين المندائي, فأن المستشرقين الذين أتوا في القرن العشرين كان جوهر أهتمامهم وجهودهم منصبّة على جعل المندائيين من تلك الأقوام الغنوصيّة, ولكي تصبح فلسفة منشقّة عن المسيحيّة وبأنها قد أتت بعدها.
ولكن برزت لديهم مشكلة كبيرة بالإضافة لعدم أعترافه بالمسيح والتوراة, وهي بأن الدين المندائي يشدّد على الطهارة ويرفض النجاسات بكل أنواعها وهو أختلاف جوهري عن الغنوصيين لا يمكن التغاضي عنه. فقد أستخدم بعض الباحثين المُستقلين ومنهم الأستاذ ياموجي الياباني-الأميركي, موضوع أهميّة الطهارة الجسديّة والالتزام الأخلاقي الشديد لدى المندائيين ورفضهم الكُلي للخطيئة والزِنا وكذلك تشديدهم على الزواج والإنجاب, لكي يرفضوا نظرية كون المندائيين من الطوائف الغنوصيّة.
Yamauchi, Edwin M. (1970). Gnostic Ethics and Mandaean Origins. Cambridge: Harvard University Press. P 34-37
ويضيف ياموجي ناقداً لكتاب دراور التي كانت تحاول في آخر أعمالها أن ترمي المندائيين بكونهم من الغنوصيين فكتب : “أن التلوّثات والطهارة المقصودة في النصوص المندائيّة لا تخص الجنس وحده وإنما تتضمن تلوثات الطعام الخطأ أو فوضى ملابس الكاهن خلال الطقوس وأشياء كثيرة غير ذلك, وكل هذا يُبين بأن الحذر من التلوّث الجنسي هو جزء فقط من الاهتمام الدقيق للغاية بالنقاء الطقسي. وهذا يتناقض بشكل صارخ مع أكثر الطوائف الغنوصيّة المعروفة قدسيّة”
Yamauchi, Edwin M. (1970). Gnostic Ethics and Mandaean Origins. Cambridge: Harvard University Press. P 44
وهنا أتت أهميّة ديوان الأسواثا الذي وضع كاتبه نصوصاً خبيثة تهدف إلى وضع حلقة تربط الدين المندائي مع تلك الأقوام المنحطّة أخلاقيّاً, فوضع شفاء للّواط وشفاء لمن أكل دمّ الحيض وشفاءً للزناة ولكل النجاسات التي كانت مرتبطة بالطقوس الدينيّة للغنوصيين ذوي الممارسات الإباحيّة. ولكي يستطيع المستشرقون بعد ذلك أن يقولوا بأن المندائيين في ذلك الزمن القديم قد غيّروا تعاليمهم الدينية التي كانت ماجنة وشفوا انفسهم من تلك النجاسات التي تركوها بواسطة هذه الطقوس المذكورة في ديوان الأسواثا.
أنّ من يعتقد بكون ناشر الديوان قد كتب جوهر ذلك الديوان بنفسه هو مخطئ؛ وإنما كتبته أيادي خارجية معادية لها معرفة وإمكانيات أكاديميّة وماديّة وهؤلاء معروفون. ولا يوجد شك بأن رجل الدين الذي وضع الديوان باسمه هو متعاون معهم أو مع وكيلهم وقد أضاف بعض الفقرات من عنده أيضاً بما يخص التبشير وغيره, ولكن أفتقاره للمعرفة والدراسة الأكاديميّة وللثقافة بهذه المواضيع يجعله عاجزاً عنها كعمل متكامل.
وبالنسبة إلى موضوع أصل الديوان ومحاولة القول بأن له أصل وأتى من المتحف العراقي, فهذه الكذبة كبيرة لدرجة أنها لو كانت صحيحة لتمّ إذاعة الخبر في جميع وسائل الإعلام في العالم. فلم يتم أكتشاف نصوص مندائيّة على الألواح المعدنيّة بهذا الكبر مطلقاً لا قديماً ولا حديثاً. وخاصّة بأنهم كانوا يحاكون زمن المرحلة البابليّة الوسطى ولغاية 600 ق.م فكتبوها مع وضع حرف الواو في نهايات الكلمة بمحاولة إيهام غير المختصين. ومع ذلك وضعوا في النصوص أحاديث عن ميرياي في تناقض واضح فيعيدونها إلى فترة بدايات الميلاد.
ولماذا لم يعلن المتحف العراقي نفسه وجود هذه المخطوطات النادرة ولأنها كُتبت على المعدن فهي أثمن بكثير من الألواح الطينيّة في ذلك الوقت. فهل أن كوادر المتحف التي غالبيتها من حملة شهادات الدكتوراه والماجستير في التاريخ والحضارات قد عجزوا عن الإعلان عنها, ولهذا فأعطوها لشخص جنسيته إيرانيّة ولا يمتلك حتى شهادة التعليم الثانوي ليقوم بذلك الاكتشاف العظيم؟
وفوق ذلك كلّه فهل أن متحف العراق هو متاح لأي شخص يدخله ويبحث كما يريد في اللّقى الأثريّة الموجودة والتي تصل قيمتها لملايين الملايين من الدولارات؟ وأي ساذج سيصدّق ذلك؟
أمّا ما يُروَّج بشأن زيارة بعض الإخوة المندائيين إلى المتحف، فالحقيقة أنها لم تتجاوز كونها جولة اطّلاع اعتيادية على عدد من اللُّقى المندائية التي عرضها لهم القائمون على المتحف، ومن بينها أحراز الرصاص، وهي مقتنيات معروفة وموجودة في معظم متاحف العالم، ولا تمثل أي اكتشاف استثنائي كما يُحاول البعض الإيحاء. كما أن هذه الدعوة لم تأتِ بشكل عفوي، بل جرت بترتيب وسعي من السيد رئيس الطائفة.
وللتوضيح العلمي، فإن النصوص المندائيّة المنقوشة على المعدن، سواء المصنوع من الرصاص أو النحاس أو الفضة أو الذهب، معروفة بطبيعتها ووظيفتها، إذ تحتوي في مجملها على أحراز وأدعية للحماية من الشر. وتمتاز نصوصها بتشابه صيغتها غالباً وبقِصرها، بسبب الحاجة إلى لفّها وحملها من قبل الأفراد. وعليه، فإن محاولة تصوير هذه اللقى على أنها نصوص دينية مطوّلة أو دواوين متكاملة لا تعدو كونها تضليلاً ومخالفةً للحقائق المعروفة.
الترميذا سِنان سامْي الشيخ عَبد الشيخ جادِر الشيخ صَحَنْ