تعدد الزوجات لدى المندائيين

عند الحديث عن هذا الموضوع لابد أن نعود مجدداً إلى موضوع الأصول الرافدينيّة للمندائيين. ولأن هذا الموضوع كان مسموحاً به في شرائع الأقوام الشرقيّة القديمة في بلاد الرافدين ومصر والهند. وبالنسبة لبلاد الرافدين فكانت شريعتهم تجيز تعدد الزوجات بصورة خاصّة في حالة وجود أسباب أو قصور في الزوجة الأولى مثل المرض أو نقص في تلبية متطلبات الزوج بالإنجاب أو القيام بالأعمال. كما في المواد 144, 148 من قانون حمورابي وكذلك المواد 36, 41, 44 من قوانين الدولة الآشوريّة الوسطى. وحيث أنّ المندائيين الشرقيين كانوا يتّبعون الشريعة القديمة الفطريّة منذ الأزل فكانوا يسمحون بتعدد الزوجات بشكل لا لبس فيه ولغاية هذا الزمان.

وعلى العكس من الأقوام الغربيّة وهم الإغريق والرومان والجرمان في العالم القديم فكانوا يحرّمون تعدد الزوجات ويحرّمون الطلاق. وبعد القرون الأولى للميلادي وعندما تم تعميم المسيحيّة كدين ونظام اجتماعي وتشريعي مُلزم لجميع البلدان التي أحتلها الرومان, فأدخلوا الشرائع الغربيّة القديمة ضمن الدستور الذي يحكمون باسمه. ولغاية الآن فأن مواد الدستور الذي يحكم الدول الغربيّة هو مُستمَد من تعاليم الإنجيل, ومن أهم بنوده تجريم تعدّد الزوجات.

وقد برزت في نهايات القرن العشرين مصادر خارجيّة تحاول أن تقرّب الشريعة المندائيّة من المسيحيّة. وكذلك بسبب بروز المؤسسات النسويّة المدعومة والتي لم تعد ترضى بغير اعتبار المرأة ندّاً للرجل وتطالب بالمساواة حتى بالأمور الفطرية المختلفة بين جنسي الذكر والأنثى. وطبعاً فأن تعدّد الزوجات في هذا العصر هو ليس بالأمر الهيّن وهو سبب لكثير من المشاكل. وبرغم ذلك فنحن نبحث في الموضوع تاريخياً وفقهياً ولأنه قد تم أستغلاله ولكي يحسبوا المندائيين على الشريعة المسيحيّة التي تحرّم ذلك, أو على الطوائف الغنوصيّة في بدايات المسيحيّة التي كانت تحرّم الزواج من أصله! فيقولون بأن المندائيين هم من ضمن تلك الفرق الغنوصيّة المسيحيّة الحديثة التي تتّبع الشريعة الغربيّة بزوجة واحدة أو بأنهم من ضمن الرهبان الغنوصيين المسيحيين الذين كانوا يزهدون عن الزواج فيحرّمونه. وبالتالي فأن القول بعدم وجود تعدد الزوجات أو عدم وجود الطلاق لدى المندائيين تكون أهدافه بالدرجة الأولى أستهداف تاريخ الدين المندائي.

عند البحث في كُتبنا ونصوصنا الدينيّة نُلاحظ تفاصيل دقيقة في تنظيم الأسرة وتربية الأبناء ولكن لا يوجد أي نَص ديني يمنع أو حتى يُشير بسلبيّة إلى تعدد الزوجات, وإنما على العكس فتوجد نصوص تُشير إلى وجود تعدد الزوجات. وكذلك نصوص أخرى تُشدد على الزواج وزيادة الإنجاب وتحريم العزوبيّة فتقول بأن الذي لا يُنجب سوف لن يصعد للنور.

* “أُنظروا الأشجار القائمة على ضِفّة الفُرات العظيم, وهيَ تَشربُ الماء وتُثمر الثِمار ولا تنتهي.

أُنظروا النَهر الجاف الذي جَفّت مياهه, فيَبست وماتت الأشجار التي على ضِفافه.

هكذا ستَتَيبّس وتَموت نشماثا العزّاب والعازِبات, الرِجال الذينَ لا يُريدون النِساء, والنِساء اللواتي لا يردنَ الرِجال. فعندما يخرجون من أجسادهم سيسكنون بالغمامات المُعتمة..

ثُمّ نُناديكم ونوضّح لكم : في العالم الذين أنتم موجودون به, أعملوا أعراساً لأبنائكم الذكور ولبناتكُم الإناث أيضاً. وآمنوا بربّكم مَلك النور السامي, ولأن هذا العالم يَنتهي ويَزول.”

* “أثمِروا إن أردتُم أن تَصعَدوا حيثُ النّور” كتاب الكنزا ربا (٢٠٠٠): بغداد.

ويمكن معرفة وجود تعدّد الزوجات في نصوصنا الدينيّة, ضمن المجتمع الملائكي الذي يكون المجتمع الأرضي نظيراً له ويسير على خطاه بالتعاليم.

وفيما يلي أحد النصوص من حوار هيبل زيوا مع أتباع الكواكب وفيه يتم عرض زوجة ذات مقام عالي وهي الروهة إلى هيبل وأن يضعها مع زوجاته الأخريات.

* “بهيئة الجسد ظهرت وذهبت إلى طائفتهم الدينيّة .. فخضعوا لي وباركوني وقالوا لي:

..

كُن أنتَ لنا رئيساً, ونحن نكون أتباعك.

الروهة بعظمتها أنت ضعها مع نسائك.

أنت أجعلها من نسائك (تزوجها لتكون من زوجاتك)” الكنزا ربا اليمين

وهذا نص آخر من ديوان يوشامن كان يندب فيه زوجاته المتعددات وليست زوجة واحدة.

* “أولئك زوجاتي الفاتنات, يمشينَ حافيات (مسبيات ذليلات)

..

بعد أن قال يوشامن ذلك, تكلّم منداادهيي قائلاً له:

إذا عَملت أمراً طيباً فسوف تجد الخير.

وإذا عَملت أمراً كريهاً فسوف تجد الشر.” دراشا أد ملكي

وللملاحظة فأنه يقول عن زوجاته بأنهن أصبحن يمشين حافيات بمعنى أنه قد تمّ سبيهنّ. ولأن العبيد كانوا يُساقون حُفاة ومن دون أحذية وتُحلق شعور ولحى الرجال ويُساقون وهم عراة.

الترميذا سِنان سامْي الشيخ عَبد الشيخ جادِر الشيخ صَحَنْ

من mandaean