الأساسيّة لمفاهيم العالم الحالي. بما فيها علوم اللاهوت والرياضيات والفلك والزراعة والصناعة وحساب الزمن وأيام الأسبوع وغيرها. وحتى الأسماء الرافدينيّة والتي أتت من مفاهيمهم الدينية كانت هي الأساس الذي اعتمدت عليه الديانات والأقوام الأخرى.

وحيث أنّ وجود تشابه بأسماء مكانين جغرافيين في كتبنا الدينيّة مع أماكن في فلسطين التاريخيّة, فطبعاً تم أستخدام هذا الموضوع لدعم أجندات مشبوهة تريد سرقة التاريخ والدين المندائي وجعله منشق عنهم, وعبر القصّة الملفّقة لهجرة المندائيين من فلسطين والتي بينّا بطلانها سابقاً.(1)

أنّ المكانين المقصودين هما مدينة أورشلام أولاً وجبل الكرمل ثانياً. وقد بينّا في بحث سابق بأن تسمية مدينة أورشلام التي تأتي في النصوص المندائيّة, تقع بدون أدنى شك في جنوب بلاد الرافدين وعلى نهر الفرات وكانت تقع في الأهوار وبيئتها الفريدة التي لا تشبه غيرها. (2)

وفي هذا البحث سوف نستعرض جبل الكرمل المقصود بالنصوص المندائيّة القليلة التي ذكرته.

في البداية فأن تسمية جبل الكرمل نفسها هي من الجذور الأكديّة (كرنوم Karanum)/ (كرم KRM ) وتعني التل أو مخزن الحبوب والعنب أو عصير العنب أو الخمر. وأن الكروم في النصوص الدينيّة القديمة ترمز إلى الخصب والبركة الروحيّة التي تأتي من الخالق. بينما تنسب المصادر الإسلاميّة تسمية الكرمل إلى كرم إيل الآرامية وتعني حديقة الله حسب ياقوت الحموي وكتابه معجم البلدان. وقد انتقلت كلمة الكرمل ومفهومها الديني من اللّغة الأكديّة إلى اللّغة المندائيّة وباقي اللّغات التي أسموها تحريفاً بالآراميّة. ونشير بالتأكيد إلى أن الجذر الأكدي هو أقدم بكثير من وجود هذه التسميات في اللّغات الآراميّة جميعها. في حين أنّ اللّغة المندائيّة قد ورثت هذه الكلمة من الأكديّة كما ورثت جميع مفرداتها الأخرى لأنها تمثّل استمراراً مباشراً للّغة الأكديّة. (3)

ترد تسمية جبل الكرمل في كتاب الأدعية الأنياني في صلاة الأربعاء الظهر على لسان منداادهيي وبأنه مكان جميل فيقول النص:

* “على جبل الكرمل صعدت.

صعدت عليك أيها الجبل يا جبل الكرمل

على جبل الكرمل صعدت

شاهدتني الكروم الإثنتا عشرة

وعندما شاهدتني الكروم جيداً

أتسعت براعمها كثيراً.. كثيراً أتسعت براعمها وزاد حملها..” كتاب النياني

ولكن جبل الكرمل هذا الذي يصفه منداادهيي ليس الموجود في فلسطين؛ وإنما هو المذكور في ديوان نهرواثا المندائي. فحسب النص فيجعل هذا الجبل منبعاً لنهر الفرات النوراني الذي يأتي من السماء وبأن البراعم والقداح في الأرض تأتي منه فيقول:

* “هذا جبل الكرمل الذي يسمى جبل أزهاف والذي هو من حجر الفيروز.

الذي يحيط بالعالم إشعاعه. ومنه يأتي للأرض كل الخضار والبراعم “القدّاح””. ديوان نهرواثا

أنّ مكانة هذا الجبل المقصود في النص أعلاه تتعدى حدود كونه مكاناً جغرافياً داخل الأرض؛ وإنما هو جبل سماوي حسب تصورهم بصورة مجازية وليس أرضي, وأنه المكان الذي بأشراقه تنمو جميع البراعم والخَضار في الأرض.

وكذلك نجد نصاً دينياً آخر في الكنزا ربا يشير أيضاً لجبل الكرمل. ولكنه يشير له بأنه مكان شرير كانت تجتمع فيه الروهة والكواكب (الشبياهي) لكي يضعوا المكائد لنشر السحر والشعوذة والزنا والشبق والمؤامرات والحروب والتمرّد. وجميع تلك الخطط والمكائد الشريرة لكي يسيطروا على البشر ويستولوا على الحكم المطلق في الأرض, ولكي لا يتبقى للإيمان بالحيّ العظيم الواحد الأحد مكان في العالم. فيقول النص:

* “الروهة والشبياهي ذهبوا وصعدوا إلى جبل الكرمل

لجبل الكرمل صعدوا. وخططوا لنشر أسرار العشق

العفاريت يخططون المكائد ويضعون من أسرارهم جميعهم ومن أسرار الروهة أيضاً

هم يجلسون هناك ويعملون السحر..” الكنزا ربا

وبالتالي فأن النصوص المندائيّة قد بيّنت بوضوح عدم وجود علاقة بين تسمية جبل الكرمل وفلسطين في النص المذكور في كتاب النياني؛ وإنما هو الجبل المذكور في ديوان نهرواثا والذي يشير له بأنه الجبل السماوي الذي ينبع منه نهر الفرات النوراني وهو الذي يرفد الأرض بالبراعم والقداح والخضار وأسمه أيضا جبل أزهاف.

في حين أن جبل الكرمل المذكور في أحد نصوص الكنزا ربا, هو مكان شرير يتبع للروهة والشبياهي وكانت عبادات الكواكب تخطط فيه المكائد وتحيك المؤامرات الشريرة للسيطرة على البشر, عبر الغواية بالشهوات والطمع ونشر الحروب وإبعادهم عن الحيّ القديم. وهذا أيضاً ينفي أن يكون المندائيون قد أتوا من ذلك المكان الشرير أو بأنهم ينتمون إليه وإنما هو مكان معادي لهم.

الترميذا سِنان سامْي الشيخ عَبد الشيخ جادِر الشيخ صَحَنْ

1. بلاد الرافدين -أصل المندائيين (الجزء الثاني)

2. قُرب بابل …كانت أورشلام

3. اللُّغة المندائيّـــة ..العربيّـــة القديمة

من mandaean