تراتيل الأناشيد المندائيّة والموسيقى

تختلف المندائية عن غيرها من الديانات بكونها غير تبشيريّة, وبمعنى أنَّها لا توفّر إمكانية إستخدامها من قبل الحُكّام سياسياً لغرض توحيد العَقيدة لجميع الناس في المُدن والممالك وبالتالي السيطرة عليهم بواسطة الدين وبواسطة المؤسسة الدينية التي تَضَع الحجج لكي تتدخل في تفاصيل حياتهم صَغيرة وكَبيرة. وكذلك فأنّ علاقة المندائي بالحيّ العظيم هي علاقة خاصّة لا تَمر عبر بوابة رجل الدين, والذي هو ليس وكيلاً من الله على البَشَر لكي يُكفّر مَن يُريد ويَغفر لمن يُريد.

أنَّ كَثير من الديانات القديمة كانت غير تبشيرية مثل المندائية والبعض منها كان يتطلّب شروطاً صعبة ممن يُريد أن يَدخُل إليها, وكذلك فأنّ التعاليم المندائية لاتَسمح بأجراء العقوبات الرادعة مثل القتل أو التعذيب أو الاضطهاد, وأقصى العقوبات هي بمنع الطقوس عن الشخص الذي يَخرُج أو يُسيء إلى الدين المندائي, أن المندائيّة هي دين حُب الطبيعة والزُهد بالحياة الدُنيا وأعتبارها مكاناً للتعلُّم والإختبار وكنتيجة لهذا الإختبار الدُنيوي يُحكم على الروح الصالحة بأن تَتحد مع النشمثا النقيّة والتي كانت تعيش معها في نفس الجَسَد أو لاتتحد في حالة الشخص السيء وهذا يُسمى بالموت الثاني, ولهذا فلم يَكُن لدى المندائيين مُنذُ القِدَم طموح سياسي للقيام بغَزوات وأحتلال مُدن أخرى وبقوا في نفس مُدنهم التي أستوطنوها مُنذ آلاف السنين على ضفاف نهر الفُرات من حرّان والرهّة شمالاً إلى بابل وأور والأهوار جنوباً وحتى مملكة ميسان شرقاً. ويقول الباحث خَزعل الماجدي في كتابه الميثولوجيا المندائية (ص17و38) بأن الناصورائيون سكنوا المناطق بين نهري دجلة والفُرات في الألف الخامس قبل الميلاد, وربما كانوا هُم من أسسوا أوّل مدينة في التأريخ وهي أريدو وأنّهم كانوا يُمثلون طبقة الكُهّان الذين ينعزلون عن العامّة ذوي الديانات المُختلفة, ويستمر في السرد التأريخي مُنذ العصر السومري مروراً بالأكدي ومن ثُمّ البابلي وبعده.

ولأن المندائيين لم يكونوا في جزيرة معزولة طوال آلاف السنين, ولهذا فعلى الباحثين والمؤمنين من الذين يُحاولون تَفسير النصوص الدينية المندائية أن يَدرسوا تأريخ بلاد وادي الرافدين والأقوام التي عاشت هُناك دراسة عميقة, ولكي يعرفوا عن ماذا تُشير النصوص الدينية المندائيّة وإلى أي عِبر وحِكَم تَرمي, وأن لا يأخذوا بمعنى الترجمة الحرفي لأجزاء من النصوص ولأنها سوف تكون غير صَحيحة ولا تنتمي إلى روح الدين المندائي, وقد أشرنا إلى ذلك بصورة سريعة مع مقالة سابقة تتحدّث عن التعاليم الباطنيّة والتعابير المجازيّة في النصوص الدينية (مصدر1). كما وأنَّ النصوص المندائيّة كانت مُتفرّقة وغير موحّدة وهي من فترات مُتباعدة تصل إلى آلاف السنين فيما بينها.

ولكن وللأسف فقد بَرَزَ حديثاً البعض من المؤمنين المندائيين وهُم يُفسّرون النصوص الدينية المندائية طبقاً لما مُتعارَف عليه في الأديان التبشيرية الأخرى بطريقة التخويف لمن لايتّبع تعاليمهم الدينية الدقيقة, فتارة يتوعدون العُزّاب بأنّ أرواحهم سوف تَتبخّر في الهواء وتارة يَتوعدون الذين يَستمعون للموسيقى بعقوبات دنيوية تشهيريّة! فضلاً عن العقوبات الإلهية, وغيرها من الهرطقات التي لا تنتمي لروح ولجوهر الديانة المندائية المُسالمة, وهُم بهذا الطرح يُسيئون إلى الفلسفة المندائية ويُبعدون طبقة كبيرة من المندائيين المُتعلمين وحيثُ يجدون هذه الفجوة بالتفكير ويَحسبونها على الكُتب المندائية ولكنه التفسير الرَكيك والغير صحيح.

* ”رأسُ الحذَرِ أن تَعلَمَ قبلَ أن تتكلَّم” الكنزا ربا اليمين ص173

وقبل الدخول في مناقشة مع هؤلاء (المُغرر بهم) نقول لهم بأن جوهر المندائيّة هو العرفان أي مَعرفة الطريق الذي يؤدي إلى الفوز بمرضاة الحيّ العظيم لعامّة المندائيين, وللناصورائيين أن يَصلوا إلى حالة التواصل مع الفيض الإلهي (الايمرا وشيما) وهذا يكون عبر طريق طويل من تَغليب الأخلاق وتقويم النَفس مُترافقة مع الطقوس والصلاة والزُهد في الحياة وغيرها من التعاليم الناصورائيّة السريّة, ولكن الذي لم يتّبع هذا الطريق بحذافيره فليس معناه أنه سوف يكون من المغضوب عليهم وسوف يُرمى في قدور الغليان أو يُعذّب بالنار والزَمهرير! فهُنالك أطبّاء ومُهندسون ومُعلّمون وفلاحون وعُمّال وكَسَبة وغيرهم, ورُغم أنهم لايلتزمون بحرفيّة التعاليم ولكن لهُم من الزاد وصالح الأعمال ما يفوق حتى بعض رجال الدين المُلتزمين وكلٌ حسب عَمَله ونيّته التي يعلم بها مندا اد هيي وحده وهو الذي سوف يُحاسب المندائيين المُخطئين بعد أن يُدين أعمالهم أباثر, وما كانت الطقوس والتعاليم إلا لمُساعدة الناس وليس لغرض أستعبادهم من قبل رجال الدين! ولايحق لأي كان أن يُهدد أو يُدين الناس على طريقة حياتهم المُحتَرَمة التي أتخذوها مهما كانت, وللعارف والمتنوّر أن يُعطي النصيحة الدينيّة أو الدنيويّة إن كان مُقتَدراً عليها وأن يُبرز البحوث والنصوص التي دَعَته إلى أسداء تلك النصيحة, فربما كان هو نَفسه في ضَلالٍ مُبين!

وأنّ كُل أنسان عليه أن يَرقب نفسه لاغيره

* ”كلُّ حيٍّ لهُ نفسُهُ يَصطَفيها (17) يَتعَّهدُها, ويَقيها. (18) لاتَكُنْ في خطيئتِها ثاويةْ (19) إن أراد الخلاصَ من الهاوية” الكنزا ربا اليمين 34

لدينا هذا النَصْ الديني من دراشا اد يهيا يتحدّث عن سام بن نوح وأنّه لم يكُن راضياً عن زوجته وأبنائه وأخوته وأخواته ولأنهم لم يكونوا مُلتزمين بالتعاليم, وكان يعتقد بأنهم جميعاً سوف لا يعبرون بحر سوف وكان حزيناً وغاضباً عليهم, وعندها أتاه رسول الحيّ وأخبره بأنه ليس قاضياً أو حاكماً في هذه الدُنيا وأنّ الحاكم هو أباثر وهو ليس مسؤول عن أن يُطلق الأحكام على الناس.

* ”تَكَلّم رسولُ الحيّ وقالَ لسام بن نوح

قالَ لهُ الرسول الذي أتى من العلياء:-

إلى النار يذهبُ الزُناة.

وغَضبٌ كبير يَنزلُ على السُرّاق.

والذين يُزمّرون بمزمار الشيطان, تأكُلهم النارُ المُوقَدةُ.

والذين يَكفُرُن بسم الحيّ يموتون ميتتين بدل الموت الواحد.

أنتَ لَستَ قاضياً في الأرض ولم يُنادونك لتكونَ حاكِماً في العالم.

ولو كُنتَ حاكماً لما جَلبوا أباثر إلى هُنا.” دراشا اد يهيا – الأصليّة مع الصور المُرفقة

والآن لنعرف ماهو مزمار الشيطان الذي تَرجمه البعض على أنه الغناء والموسيقى بصورة عامة, وبالتالي أصبَحَت وكأنها خَطيئة كُبرى مثل الزنا والقتل والسرقة؟

أنَّ الناصورائيين الذين عاصروا مُعظم التحولات الدينية في وادي الرافدين مَهد الحضارة الإنسانيّة, كانوا يتفاعلون مع تلك الأديان ويخشون من تَبشيرها على أجيالهم, وأنّ كثير من النصوص المندائية تتحدّث عن عبادة الكواكب والنجوم بالسوء (السبعة والأثني عشر)

* “الشياطين السبعَة المُقدّسة والغاوية تَتسلّط على جميع أبناء آدم وحوّاء.

الأول هو شامش والثاني هو روها اد قدشا أسمها عستار- ليبات – عماميت.

.الثالث هو نبو رسول الكَذب الذي زيّف التسابيح الأوّليّة

.الرابع هو سين (القمر) وأسمه صاورئيل

الخامس كيوان (زُحل) والسادس بيل (المُشتري) والسابع نيرغ (المريخ)” الكنزا ربا اليمين ص16 خفاجي ودُرّاجي – الأصليّة مع الصور المُرفقة

وكانت عبادة الكواكب مُرتبطة بالآلهة إنانا لدى السومريين أوعشتار لدى البابليين (الروهة) والتي بينّا في مقالة سابقة بأن النَص الخاص بدنانوخت في الكنزا ربا اليمين كان يتحدّث عنها بصورة مُباشرة (مصدر2) وأنّ عبادة عشتار والآلهة الأخرى في المعابد والصلوات التي تُرافقها كانت تجري جميعها بالموسيقى وتَستخدم آلات البلوريا والنَفخ في القصبات وهو المزمار وغيرها من الآلات الموسيقيّة التي تُذكَر في الكُتب الدينية (مصدر3)

ولكون التراتيل المندائيّة المُلحّنة لها ميزة تختلف عن موسيقى تلك الآلهة, فقد ذَكرها وحَذّر منها الناصورائيون وذلك لأنها تُمثّل شعائر دين آخر لا يَعبُد الله الواحد الأحد, وبالتالي فمن يَذهب مع تلك الجوقات الموسيقيّة هو مثل الخارج عن المندائيّة.

* ”ثُمَّ جاء أنبياءُ الكَذِب وأتوا بالكَذِبِ والزَيف ….

البعض منهم يُقيم طقوسه بالموسيقى والغناء والرقص والشبق” الكنزا ربا اليمين ص13 خفاجي ودُرّاجي – الأصليّة مع الصور المُرفقة

ومن هذه البوثة نُلاحظ بأن أحدى أشكال العبادات كانت تجري بالموسيقى والغناء والإثارة الجنسيّة, وبالتالي فهذه النصوص التحذيريّة للمندائيين من السقوط مع هؤلاء.

* ”كان ترتيلي لايُشبِهُ غناءَهم, وتَعليمي لايُشبِهُ ادِّعاءهم..” الكنزا ربا اليمين ص208

وهذا كان من النَصْ الخاص بأنوش وفيه كان هيبل يتحدّث عن مُقابلته لأتباع الآلهة المُتعددة (الروهة) ويقصد الآلهة إنانا أو عشتار وكهنة معبدها.

ولمن كان يعتقد بأن الموسيقى والإنشاد الديني مُحرّم لدى المندائيين فعليه أَن يَدرس جيداً مؤلفات برديصان والأناشيد المندائية التوحيديّة الجميلة التي كان قد كَتَبها, وكانت هي الأساس للإنشاد الديني المسيحي بعد أن أخذها منه مار أفرام بعد قرن من الزمان وغيّرَ كَلماتها لتُناسب العقيدة المسيحية (مصدر4).

بل وحتى أنّ البعض يدعوا المندائيين المُلتزمين دينياً إلى عدم تلحين البوث أثناء قراءتها؟ ولكن لمن كان يقرأ فعلاً فسوف يعرف السَجَع الجميل في بوث سيدرا اد نشماثا مثلاً, وهذه ترتيلة لبعض بوثها بصوت الشيخ الجليل عبد الله خفاجي ودُرّاجي عام 1960 ونُلاحظ كيف يقوم بالتلحين مع تناغُم الكلمات (مصدر5).

وكذلك فقد كان الغناء والطَرَب قديماً مُترافقان مع حَفلات السُكر والمجون والعربدة وبالتالي فتلك الأماكن تُمثل الخَطيئة والإنزلاق فيها وتَرك العِبادة, وهُنالك من يقول بأن الغناء والموسيقى تُلهي عن الصلاة أو التعاليم الدينية, وهذا طبعاً يَتبع كُل إنسان وكيف يُقرر أن يعيش ويلتزم. فمثلاً توجد نصوص أخرى في الكنزا ربا تُحذّر من كَنز الذهب والفضّة فهل أن الصاغة والأغنياء المندائيون جميعهم مُخطئون؟ وهذا طبعاً غير صحيح وإنما هو تَحذير من أن يَتَحوّل الإنسان إلى كانز للذهب والفضّة والأموال فقط فلا يعود يَهتم بأي شيء سواها, ولأن الحياة فيها توازنات كثيرة أهمّها في المندائية هو المُحافظة على حياة نقيّة صالحة وأعمال خير للمُجتمع وللآخرين عبر التمسُّك بأخلاق الدين ولكي تُمهّد لصعوده إلى عالم النور لاحقاً.

* ”يا مَن تسكرون بالخمرة الجديدة صباحاً وبالمُعتّقة مساءً ويأسرونَهُم بالغناء وأنغام القيثارة والناي” الكنزا ربا اليمين ص156 خفاجي ودُرّاجي – الأصليّة مع الصور المُرفقة

لقد كانت الموسيقى وسيلة للتصوّف مُنذ القِدَم, وهي تُطلِق المشاعر والإلهام والنشوَة الروحيّة (مصدر6) ولهذا فقد تَمّ أستخدامها من قبل الأديان بصورة مُختلفة ولغايات مُختلفة, ولكن بالنسبة للناصورائيين فربما كانت تعاليمهم تُركّز على الأناشيد الدينية المندائيّة ونغماتها الجميلة المتناسقة كطريقة خاصّة بهم للتصوف ومن دون السماح بوجود أغاني أخرى تنتمي لفلسفة مُختلفة ربما سوف تؤثر على طريقتهم وأفكارهم التي تَتركز على التَسبيح بحمد الخالق وطَلَب الغُفران والعلم والمعرفة.

وكذلك فأنَّ العزوبيّة في المندائيّة تُعتبر خطيئة فهي ديانة تُوقّر الخصب والنماء ولأن الإنجاب هو الحافز من الزواج فيستمر أسم الإنسان من بعده ويَزدهر العالم بذُرّيته.

* “أثمِروا إن أردتُم أن تَصعَدوا حيثُ النّور” الكنزا ربا اليمين ص40

وأمّا التَحذير المُباشر في الكنزا ربا فكان عن الرَهبنة المسيحية التي تُحرّم الزواج في السلك الكهنوتي فيبقى الشباب والشابات يُعانون, ويَصف النَصْ كيفَ أنّ ذُريّتهم تُسرق مِنهم وتَذهب لأتباع الشيطان, وطبعاً هذا النَصْ هو تحذيري عن الخروج من المندائيّة للمسيحيّة.

وكذلك توجد نصوص أخرى تُحذّر من الصيام وتعذيب النَفس لقهر شَهوات الجَسَد كافّة, وهي طقوس كانت تُمارسها بعض الطوائف الغنوصيّة في بدايات المسيحيّة. ولكن تبقى أعمال كُل أنسان مُرتبطة بظروفه الخاصّة, ومرّة أخرى فأن الحاكم هو أباثر وليس البَشر الفانين.

سِنان سامْي الشيخ عَبد الشيخ جادِر الشيخ صَحَنْ

المصادر

1. مقالة المَعرِفَة الناصورائية والتعابير المَجازيّة, سنان سامي الجادر

2. مقالة حوار دنانوخت وعشتار الروهة, سنان سامي الجادر

3. مقالة: موسيقى بابل وسومر جذوة اللحن ورقة المعنى، كوثر رستم الكيالي

4. مقالة برديصان: حامل الشُعلة المندائية, سنان سامي الجادر

5. الربي عبد الله خفاجي و دُراجي يقوم باداء صلاة الرهمي – الاهواز 1960

6. كتاب: الكرامة الصوفية والأسطورة والحلم, الدكتور علي زيعور

من mandaean