تحوّل العشائر البابلية والآشورية إلى الانتساب اليمني والحجازي

عند الفتح الإسلامي، كانت غالبية سكان بلاد الرافدين تدين بالمسيحية والصابئية، في حين كانت توجد أقليات يهودية ومانوية. ويروي الطبري في تاريخ الأمم والملوك أخبار فتح العراق، مستندًا إلى أحداث وقعت قبل عصره بنحو ثلاثة قرون. ومن اللافت أنه كان يستخدم تسمية “السواد” عند حديثه عن الفتوحات العربية الأولى، بينما كان يستعمل اسم “العراق” عند الإشارة إلى البلاد في زمنه، وهو ما قد يدل على أن التسمية المتداولة في عصره كانت قد انتقلت تدريجيًا من “السواد” إلى “العراق”.

الطبري، أبو جعفر، تاريخ الأمم والملوك، المعروف بـتاريخ الطبري، اعتنى به أبو صهيب الكرمي، مطبعة بيت الأفكار الدولية، ص 535–542.

وكانت “السواد” من أقدم التسميات التي أُطلقت على بلاد الرافدين، إذ تعود جذورها إلى العصور السومرية، حين وُصفت البلاد بأنها أرض “ذوي الرؤوس السوداء”، واستمر استعمال هذه التسمية حتى الفتح الإسلامي.

الشواف، قاسم، ديوان الأساطير: سومر وأكاد وآشور، الكتاب الثاني، بيروت، دار الساقي، 1997، ص 46.

وينقل الطبري كذلك أخبار الضرائب التي فُرضت على سكان العراق. وبما أن معظم السكان كانوا يعملون في الزراعة، فقد ترتبت عليهم، بعد دخول الجيوش الإسلامية وسيطرتها على مناطقهم، أنواع متعددة من الضرائب، من أبرزها:

الجزية: وهي ضريبة كانت تُفرض على غير المسلمين وتُقدّر بحسب عدد الأشخاص الخاضعين لها من الأطفال والكبار.

الخراج: وهو الضريبة المفروضة على أصحاب الأراضي الزراعية والتي انتقلت ملكيتها وإدارتها إلى السلطة الجديدة مع إبقاء السكان يعملون فيها.

ضرائب أخرى متغيرة تُحتسب وفق كمية المحصول أو نسبة الإنتاج الزراعي في نهاية الموسم.

وكان الخراج المفروض على الأراضي يُجبى من سكان العراق، الذين كانوا، من غير المسلمين في مرحلة الفتح الأولى. وقد بلغ مجموع الخراج مائة ألف ألف درهم، أي ما يعادل مائة مليون درهم، ثم انخفض إلى أربعين مليون درهم في عهد الحجاج. وينقل البلاذري في حديثه عن مجموع خراج العراق:

“حدثني الوليد بن صالح، عن الواقدي، عن ابن أبي سبرة، عن المسور بن رفاعة، قال: قال عمر بن عبد العزيز: كان خراج السواد على عهد عمر بن الخطاب مائة ألف ألف درهم، فلما كان الحجاج صار إلى أربعين ألف ألف درهم.”

البغدادي البلاذري, أحمد بن يحيى (1900): فتوح البلدان, شركة طبع الكتب العربية. ص 279

وكان العرب يطلقون اسم “النبط” على فلاحي العراق الذين كانوا يقيمون في سواد العراق. وجاء في الصحاح أن النبط هم الذين يسكنون البطائح الواقعة في العراق، وقيل إنهم سُمّوا نبطًا لاشتغالهم باستنباط ما تخرجه الأرض من الزرع والمحاصيل. وبحسب ما يورده عدد من المؤرخين المسلمين، كان نبط العراق على دين الصابئة؛ فقد ذكر ابن النديم أن صابئة البطائح كانوا على مذهب النبط القديم.

ابن النديم، أبو الفرج محمد بن أبي يعقوب إسحاق المعروف بالوراق، الفهرست، بيروت، تحقيق رضا تجدّد، ص 404.

كما ذكر الشهرستاني في كتابه الملل والنحل أن الصابئة كانوا من النبط.

الشهرستاني، الملل والنحل، الجزء الأول، ص 257–259.

وبسبب كل تلك الأعباء المالية التي فرضها الحكام الجدد على السكان، فكان وقوع القحط في أوقات معينة يؤدي إلى عجز كثير من الناس عن توفير الأموال اللازمة لدفع الضرائب. وفي مثل هذه الظروف، أخذ بعض سكان العراق يتحولون إلى الإسلام سعيًا إلى حماية حياتهم والتخفيف من الأعباء المفروضة عليهم. ومع اتساع ظاهرة التحول إلى الإسلام، أصبح هؤلاء يُعرفون باسم “الموالي”. وكان المقصود بالموالي السكان الأصليين الذين دخلوا في الإسلام ثم ارتبطوا بقبيلة عربية أو بالقادة العرب الفاتحين من ذوي المكانة، طلبًا للحماية. وقد اتخذت كلمة “المولى” معاني متعددة في المصادر القديمة، ولذلك لا يصح اختزالها دائمًا في معنى العبودية، إذ كانت تُستخدم في بعض السياقات للدلالة على رابطة الولاء والحماية والانتساب. ولكن بما يخص الموالي المتحولين عن أديانهم فهي كانت درجة أقل من الحريّة الكاملة وأكثر من العبوديّة. ومولاهم يكون مالكهم وهم يكونون عبيده. وهذه التسمية أطلقت على جميع سكان الذين تحولوا للإسلام في البلدان التي تمّ فتحها في العراق وبلاد الشام ومصر وبلاد المغرب والسودان.

وكان وضع الموالي، في بعض السياقات، أفضل من وضع أهل الذمة، وهم السكان الذين حافظوا على أديانهم ولم يدخلوا في الإسلام.

ويبيّن الباحث سليم مطر بأن عدد سكان العراق عند الفتح الإسلامي كان يناهز سبعة ملايين نسمة، وأنهم كانوا ينتمون إلى عشائر ذات جذور بابلية وآشورية. غير أن أسماء غالبية هذه العشائر اختفت تدريجيًا بعد اعتناق أفرادها الإسلام، وبالمقابل فقد أنتسب الملايين من السكان فجأة إلى أصول عشائر عربيّة مهاجرة. ويورد سليم مطر مثالًا على ذلك بالقول إن نسبة كبيرة من سكان العراق المعاصرين، من العائلات والعشائر السنية والشيعية، تنسب نفسها إلى أصول قرشية أو هاشمية أو علوية، ويُطلق على أفرادها اسم “السادة” أو “الأشراف”.

مطر، سليم، الذات الجريحة، مركز دراسات الأمة العراقية، دار الكلمة الحرة، 2008، ص 88، 120.

وبحسب هذا الطرح، يبلغ عدد من يُنسبون إلى السادة نحو خمسة عشر مليون نسمة. غير أن الرواية ترى أن كثيرًا من هذه العشائر العراقية قد يكونون من أحفاد جماعات بابلية وآشورية، كان أجدادهم يدينون بالمسيحية أو الصابئية، ثم دخلوا الإسلام تحت ضغوط سياسية واقتصادية واجتماعية قاهرة. ومع مرور الزمن، تكنّت الأغلبيّة من العراقيين بأسماء العشائر العربيّة المُهاجرة, وذلك بسبب موالاتهم لقبيلة عربيّة أو شريف عربي. وبذلك أصبح الانتساب العشائري وسيلة للحماية والاندماج، ثم تحول لاحقًا إلى هوية نسبية راسخة، فنسبت تلك الجماعات أصولها وتاريخها إلى القبائل التي ارتبطت بها.

ووفق هذا التصور، فإن جانبًا من تاريخ العشائر العراقية يتمثل في جماعات بابلية وآشورية غيّرت أديانها، وتخلّت تدريجيًا عن أسماء أسلافها وانتماءاتها القديمة، واتخذت أسماء عشائر ارتبطت باليمن والحجاز.

ويربط هذا الموضوع بما ورد في بعض الأحاديث النبوية من تحذير من الانتساب المتعمد إلى غير الأب أو إلى جماعة لا ينتمي إليها الإنسان، مع علمه بحقيقة نسبه. ومن ذلك قول النبي محمّد:

“ليس من رجل ادّعى لغير أبيه، وهو يعلمه، إلا كفر بالله، ومن ادّعى قومًا ليس له فيهم نسب، فليتبوّأ مقعده من النار”؛ البخاري، حديث 3508.

وكذلك قوله: “إن من أعظم الفِرى أن يدّعي الرجل إلى غير أبيه، أو يُريَ عينه ما لم ترَ، أو يقول على رسول الله ﷺ ما لم يقل”؛ البخاري، حديث 3509.

والمقصود بالانتساب إلى غير الأب هو ادّعاء نسب يخالف الحقيقة مع العلم بذلك، أما الفِرى فهي جمع فِرية، وتعني الكذب العظيم والافتراء الشديد. وتحذر هذه الأحاديث من أن ينسب الإنسان نفسه عمدًا إلى أب غير أبيه الحقيقي، أو إلى قبيلة أو جماعة لا ينتمي إليها، وهو يعلم حقيقة أصله، ويدخل في ذلك ادّعاء نسب شريف أو انتماء قبلي أو مكانة اجتماعية لا يثبتها الدليل.

أما ما يتعلق بأصل النبي محمد وقريش، فتوجد مصادر تربطهم بالعراق وبالنبط، وينقل عن ابن الأعرابي قوله: “سأل رجلٌ عليًّا، عليه السلام، فقال: أخبرني يا أمير المؤمنين عن أصلكم، معاشر قريش. فقال: نحن قوم من كوثى”. ثم يرد في النص أن كوثى العراق كانت “سُرّة السواد” ومن مواطن النبط.

كما يُنسب إلى ابن عباس قوله: “نحن معاشر قريش حيٌّ من النبط، من أهل كوثى، والنبط من أهل العراق”.

ابن منظور، لسان العرب، مادة “كوثى”؛ والحموي، معجم البلدان، ج 4، ص 488.

الترميذا سِنان سامْي الشيخ عَبد الشيخ جادِر الشيخ صَحَنْ

من mandaean