لقد شاركتُ مؤخراً في المؤتمر العلمي السنوي العاشر لكلية الآداب في جامعة واسط ببحث حمل عنوان “الأصول المندائية-البابلية للفكر الغنوصي”، وقد لاقى هذا العمل اهتماماً وإشادة من الأساتذة الحاضرين لما قدّمه من قراءة جديدة تعيد المندائية إلى جذورها الرافدينية الأصيلة. ويمثّل هذا البحث رسالة مندائية واضحة وقوية في مواجهة محاولات بعض المستشرقين القدامى والجدد الذين سعوا، بدوافع دينيّة وسياسيّة، إلى إدراج الدين المندائي ضمن الغنوصيات المتأخرة التي ظهرت بعد المسيحية، متجاهلين عمقه التاريخي وامتداده الحضاري في سومر وبابل.

حيث يكشف البحث عن الجذور العميقة للفكر الغنوصي بوصفه تياراً عرفانياً نشأ في حضارات بلاد الرافدين قبل آلاف السنين، ويعيد وصل ما انقطع بين الفلسفات الدينية السومرية والبابلية والآشورية وبين المندائية التي حافظت على ذلك الإرث في أنقى صوره، مؤكداً أن الغنوصية ليست ظاهرة لاحقة للمسيحية أو اليهودية بل منظومة روحية شرقية سبقت ظهور الطوائف الإبراهيمية وتسرّبت عناصرها إليها عبر مسارات التاريخ المضطرب. ويبيّن البحث أن المندائية ليست فرعاً من الغنوصيات المسيحية ولا امتداداً لليهودية، بل استمرار حيّ للفلسفة الرافدينية التي حملت فكرة المخلّص وصراع النور والظلام منذ أقدم الأزمنة، وأن لغتها وطقوسها ونصوصها تشهد على جذور لا يمكن تجاهلها مهما حاولت السرديات الاستشراقية أن تحجبها. وينتقد البحث القراءات الاستشراقية التي سعت إلى وضع المندائية قسراً تحت مظلة اليهودية أو المسيحية بدوافع دينية وسياسية، متجاهلة الأدلّة اللغوية والطقسية التي تشير بوضوح إلى أصولها الرافدينية، ويعرض في المقابل شهادات باحثين غربيين محايدين أثبتوا أن الغنوصية الشرقية كانت حركة دينية مكتملة قبل ظهور المسيحية، وأن المندائية تمثّل الشكل الأقدم والأصفى لهذا التيار، وأن فكرة المخلّص المتكررة في الغنوصيات ليست إلا امتداداً لقصّة تمّوز أو دوموزي. ويكشف البحث عن تشابهات مذهلة بين الطقوس المندائية والطقوس البابلية، من الصباغة إلى كوخ العبادة والطقوس المشكنا إلى الثوب الطقسي لرجل الدين ذي الأجزاء السبعة، مؤكداً أن هذه الطقوس امتداد طبيعي لطقوس الماء والنور الرافدينية، وأن المندائية حافظت على توحيد صارم لا يشبه الثنوية التي ألصقها المستشرقون بالغنوصية، إذ تقدّم نصوص الكنزا ربا تصوراً عن الإله الواحد الذي لا شريك له، وتصف العالم بوصفه ساحة صراع بين النور والظلام دون مساواة بينهما. ويمتد البحث ليعرض علاقة معقدة بين المندائية وبدايات المسيحية، مشيراً إلى نصوص مندائية تقول بإن عيسى المسيح تعلّم من يحيى يهانا ثم غيّر الطقوس، ما يفتح باباً واسعاً لإعادة فهم نشوء المسيحية خارج الرواية التقليدية التي تربطها حصراً باليهودية. ويقدّم العمل رؤية شاملة تعيد الاعتبار للفلسفة الرافدينية وتضع المندائية في موقعها التاريخي الصحيح بوصفها أحد أقدم الأنظمة الروحية العرفانية في الشرق، داعياً إلى قراءة جديدة لتاريخ الأديان بعيداً عن السرديات الغربية التي هيمنت على هذا المجال، ويصبح فيه الماء طريقاً للخلاص، والنور لغةً للمعرفة، والإنسان شرارة سماوية تبحث عن عودتها إلى موطنها الأول، ليكشف أن كثيراً مما نُسب إلى اليهودية والمسيحية له جذور أقدم بكثير، جذورٌ مندائية–بابلية كانت يوماً ما قلب الشرق وروحه.

الترميذا سِنان سامْي الشيخ عَبد الشيخ جادِر الشيخ صَحَنْ

من mandaean