اليمين واليسار في المندائية

“هنالك من يرغب الأب وهنالك من يرغب الأم.

الذي يرغب بالأب يكون من حصّة اليمين

والذي يرغب بالأم سوف يكون من حصّة اليسار” ديوان أليف ترسر شيالي

اليمين في المندائيّة يرمز إلى عالم النور وهو الأب بينما يرمز اليسار إلى العالم الأرضي والذي هو الأم. وبالتالي فأن الإنسان في حياته هو يعيش في اليسار وبعد مماته إن كان صالحاً فسوف يذهب إلى عالم النور الذي هو اليمين.

ومن هذا فإذا كان المؤمن الذي يعيش في الدنيا صالحاً فأن هذا سوف يُحسب له على أنه من أتباع اليمين لأنه قد فضّل عالم النور على مُتع ومغريات الدنيا الفانية التي هي اليسار. وكذلك تُطلق التسمية على رجال الدين المندائيين الذين يعتزلون العالم المادي بعد تكريسهم ليصبحوا كهنة أو ملوكاً سماويين. وبالتالي فهم يتجردون من الطموح المادي في العالم الأرضي ويصبح طموحهم الأوحد هو الوصول لعالم النور عبر قيامهم بالأعمال الصالحة وترك الشر, والتزامهم بالتعاليم والطقوس المنصوص عليها, وكذلك بمساعدة وإرشاد المؤمنين والمستحقين لمعرفة الطريق الصحيح للخير.

ولهذا فأن الشخص الذي يكون همّه الأوحد في حياته هو المادّة والمُتع الجسديّة فهو من أصحاب اليسار. وأمّا الذي يقدّم آخرته على دنياه عبر زهده بالمتع والمادّة ويلتزم الحَق والعَدل والصِدق والصَدقة والإحسان والشفقة ويترك الحقد والحسد والنميمة والشرور والتفرقة فهو من أتباع اليمين.

وحيث أنّ فكرة وجود الآخرة والإيمان بها هي التي تقود المؤمنين في حياتهم وتؤثر على جميع أعمالهم. ولكن مع ذلك فأن كثير من غير المؤمنين عندما يتقدمون في السن, وتبدأ المُتع الجسديّة والماديّة بفقدان بريقها فيبدأ لديهم الشك بوجود الآخرة؛ وربما كان ذلك نابعاً من بحث الإنسان عن الأمل لكي يتجاوز النهاية المحتومة التي يعرفها جيداً وهي تقترب منه.

ثم يبدأ بالتفكير والتأمّل بحثاً عن أدلّة تعطيه الأمل. وربما يصل بعضهم إلى القناعة بوجود الآخرة بعد ذلك فيقومون بالعمل الصالح بالصَدقة والمساعدة للناس وللطبيعة, وربما حتى يتجرؤون على البدء بالطقوس الدينيّة التي كانوا لا يؤمنون بها. بينما لا يصل البعض الآخر منهم للقناعة ويبقى على نفس أفكاره السابقة. ولكن المؤكد هو بأن كثير من كبار السن يبدؤون بمراجعة أعمالهم وسيرة حياتهم وينظرون لها من زوايا أخرى لم تكن متاحة لهم في ذلك الوقت بسبب عدم اكتمال الحكمة والإيمان لديهم.

ولكن من ناحية الفلسفة الدينيّة ولمن يحب أن يأخذ بها فهي بأن الفرصة لعمل الخير دائماً تكون موجودة إن كانت هنالك إرادة لها. ولهذا فلا يتردد أحد لبدء حياة الإيمان حتى لو بقي في عمره قليل من الزمان. ولمن تَسنح له الفرصة بالعودة إلى المكان الذي عاش فيه أجداده وأهله ليقضي فيه أواخر أيامه فهو محظوظ. لأن توقير الأجداد والحرص على التقرّب منهم بالطقوس في معظم الديانات القديمة ومنها المندائيّة هو نابع من معرفة الأولين بأهمية ذلك؛ لأن الأجداد المؤمنين من المختارين الصالحين “بهيري زدقا” يشفعون ويساعدون النشماثا الطيبة التي هي من أصلهم (1). وربما لن تكون الجغرافيا ذات أهمية بعد الممات ولكنها تجسّد أيضاً محاولة للتقرّب من منبع الأجداد.

الترميذا سِنان سامْي الشيخ عَبد الشيخ جادِر الشيخ صَحَنْ

1. أيُّها المُختار الصالِح انتَ وأبناءك وسُلالاتك ومُحبيك سوفَ تَصعد لعالم النور.

من mandaean