المتقمّصون باليمين طقوسهم باطلة خذوا منهم زوجة ولا تعطوهم

لقد تحدثنا في بحث سابق عن المعنى المجازي لليمين واليسار في النصوص المندائيّة. وقلنا بأن الشخص الذي يكون همّه الأوحد في حياته هو المادّة والمُتع الجسديّة فهو من أصحاب اليسار. وأمّا الذي يقدّم آخرته على دنياه عبر زهده بالمتع والمادّة ويلتزم الحَق والعَدل والصِدق فهو من أتباع اليمين. (1)

ووفق هذا المفهوم، يُفترض برجال الدين المندائيين جميعًا أن يكونوا من أصحاب اليمين، بحيث لا تكون المادّة هدفهم في الحياة، بل الآخرة. فهم مطالَبون بامتلاك الإيمان الحقيقي، والقيام بالعمل الصالح، والتخلّي عن كل المصالح الماديّة والشخصيّة، مع التحلّي بالزهد الكامل. وهذا المفهوم هم يعلمون به منذ طقس تكريسهم وعبورهم من الأندرونا إلى الشخنثا وهو ما يعني بأنهم قد تركوا العالم المادي والتحقوا بالعالم الروحي الزاهد.

وفي هذا السياق، يأتي أحد النصوص الواردة في ديوان الترسر ليحذّر من فئة تتقمّص صفة اليمين؛ أي تتقلّد مناصب دينية وتتحدّث بحديث رجال الدين؛ بينما هي في حقيقتها من أتباع اليسار، لكونها ماديّة النزعة وغير مؤمنة فعليًا. ويوجّه النص تحذيرًا صريحًا لرجال الدين بعدم أخذ الطقوس منهم, وعدم تزويج بناتهم لمثل هؤلاء، كونهم لا ينتمون حقًا إلى اليمين، بل يتقمّصونه زيفًا. ومع ذلك، يؤكّد النص في الوقت ذاته أنهم يبقون مندائيين بلا شك من حيث الانتماء، ولهذا فلا حرج في أخذ زوجة منهم.

“صاحب التاج (رجل الدين) يحمل سر الأب.

الرجال المندائيون والنساء يحملون سر الأم ويثبّتون أكليل الأم بترتيلة مندا اقرن.

الكنزبرا والترميدا يحملون سر الأب ولديهم التاج والإكليل يثبتونه بترتيلة نهور نهورا.

هنالك من يرغب بالأب وهنالك من يرغب بالأم. (يقصد الكنزبرا والترميدا)

الذي يرغب بالأب يكون من حصّة اليمين.

والذي يرغب بالأم سوف يكون من حصّة اليسار وهؤلاء المتقمّصون (رجال الدين المتقمصين باليمين بينما هم من أتباع اليسار)

لا ترتسموا برسمهم المنحرف, ولا تأخذوا من كشطتهم المشوّهة. (قاطعوا صباغتهم وطقوسهم)

خذوا منهم زوجة ولكن لا تعطوهم زوجة منكم.” ديوان أليف ترسر شيالي

أنّ الفقرة الأخيرة من النص التي تقول “خذوا منهم زوجة ولكن لا تعطوهم زوجة منكم” هي موجّهة لرجال الدين وليس لعامة المندائيين. ولأن مجتمع رجال الدين كان يتزوج فيما بينه غالباً وذلك حفاظاً على نقاء النسل الكهنوتي (الحلالي). وهذا كان قبل القرن العشرين عندما قلّت أعداد المندائيين ومنهم رجال الدين بدرجة كبيرة فأصبح معها هذا الموضوع غير ممكن عمليّاً.

وللأسف، فإن بعض من يسعون إلى فتح باب التبشير لغير المندائيين اقتطعوا هذه العبارة وحدها من سياقها، وروّجوا لها على أنها تعني جواز الزواج من نساء من خارج المجتمع المندائي. في حين أن النص، بوضوح تام، إنما يتحدّث عن فئة معيّنة من رجال الدين؛ أولئك الذين دخلوا السلك الديني لا عن إيمان حقيقي، بل بدافع جمع المال، وتحقيق المنفعة الشخصية، والسعي وراء النفوذ السياسي والوجاهة الاجتماعية.

إن تقسيم البشر إلى أصحاب اليمين وأصحاب اليسار يعود في جذوره إلى فلسفة بلاد الرافدين والديانة البابلية القديمة، وهي ذات الفلسفة التي سار عليها المندائيون، وكذلك المسلمون من بعدهم. فاليمين يرمز إلى عالم النور الروحي، وهو “الأب”، ومقامه في السماء العليا؛ بينما يرمز اليسار إلى العالم الأرضي المادي، وهو “الأم”.

وهذا التشبيه ليس سوى تعبير مجازي عميق: فالأب هو من يُرسل من السماء الندى والمطر، فيُلقِّح به “الأم” التي هي الأرض، فتخرج منها البذور والنباتات، وتزدهر بذلك الحياة. وفيما يلي أحد النصوص حول ذلك.

“وقال: ياشلماي ربَّ البيت. سؤالٌ أتاني من بيتِ الحيّ: ما الأعلى؟ وما الأسفل؟.

– قال: الرَّقيعُ والأرض.

قال: فمَن مَحبولٌ بهِ قبلَ مَن؟.

قال: ياأبي. الرَّقيعُ يُنزِلُ النَّدى والمطَر, والأرضُ تفتحُ فَمها وتَشرَب, فتُخرِجُ البذورَ والثِّمار.. يأكُلها بنو آدم ولا يَشكرون ربَّهم.” كتاب الكنزا ربا (٢٠٠٠): بغداد. النسخة العربيّة. مطبعة الديوان. اليمين ص153-154

وبناءً على هذا، فإن الإنسان يعيش في حياته الدنيا على الأرض التي هي اليسار، وبعد مماته، إن كان صالحًا، ينتقل إلى عالم النور في السماء الذي هو اليمين.

الترميذا سِنان سامْي الشيخ عَبد الشيخ جادِر الشيخ صَحَنْ

من mandaean