
“أنا وأخي على ابن عمي، وأنا وابن عمي على الغريب”.
وُلد هذا القول في بيئة قبلية صحراوية سادت الجزيرة العربية قبل الإسلام، ثم استمرّ صداه في العصور اللاحقة. فقد كانت القبيلة هي الوطن والحصن، معيار الولاء والانتماء، والملجأ عند الخطر. وكان القريب يُقدّم على البعيد مهما بلغت محاسن هذا الأخير، لأنّ الدم عندهم أقدس من أي خُلُق أو مبدأ.
هذا المفهوم القبلي الخالص نشأ في مجتمعات بدوية لم تعرف التنظيم المدني أو القيم الدينية القائمة على العدل والحق، ومع ذلك فقد بقي أثره متجذّراً في بعض العشائر حتى بعد انتقالها إلى المدن وتحوّلها نحو حياة مدنية ظاهريًا.
إن هذه العقلية القائمة على العصبية القبلية (Tribalism) تتعارض جوهريًا مع الدين المندائي الذي يقوم على الكشطا /القِسط، أي الحقّ والعدل والعهد بهما. فالمندائي الحقيقي يجب أن يتحرّر من كل تحيّز شخصي أو عائلي عند الحكم على الأمور والأشخاص، وأن يُصغي فقط إلى ضميره العادل لا إلى روابط القرابة أو الصداقة أو المصالح الخاصة.
ومع الأسف، في مجتمعنا المندائي تنتشر اليوم ظاهرة سلبية تتمثّل في الخلط بين النقد البنّاء والإساءة الشخصية. فعندما يُوجَّه نقد لأداء أحد المسؤولين في المؤسسة المندائية، يُفسَّر ذلك وكأنه طعن في شخصه، لا في عمله. ويغيب عن الأذهان أن الوظيفة العامة بطبيعتها تخضع للتقييم والمساءلة، وأن ثناء الناس أو نقدهم إنما هو للعمل ذاته، لا لصاحبه.
ولكن ما يحدث هو العكس؛ فبمجرد أن يُوجَّه نقد إلى مسؤولٍ ما، تنهض عشيرته وأقاربه ومنهم حتى بعض المتدينين والمثقفين للدفاع عنه وكأنهم يخوضون معركة وجودية، فينسون مبادئهم وتعاليم دينهم وحتى مصلحتهم، ويعودون إلى منطقة الولاء القبلي.
ومن هنا أقولها بوضوح: من يخشى النقد، فليترك العمل العام المندائي، لأنّ أي عمل جماعي يُبنى على الشفافية والمحاسبة، لا على المجاملة وحماية الذات.
كلمتي هذه ليست موجهة إلى عائلة أو عشيرة معينة، بل إلى كل المندائيين: عودوا إلى جوهر ديانتكم، وتمسّكوا بـ”الكشطا” الذي هو الحقّ والعدل, لا بتقاليد العصبية التي تُضعفنا وتُفرّقنا. ولنتذكّر أن الانحياز للأقارب أو الأصدقاء في الحكم هو ظلمٌ للحق، وإساءة للدين، فلا تسيئوا الأحكام فتصبحون مدانين.
“ولا تَشهدوا بشهادة كذب.
وإذا حَكمتم فأحكموا بالعدلِ ولا تحرّفوا به.
وإذا شَهدتم فاشهدوا بالحقِّ مثل أصحاب الكشطا.
أنّ كل من لا يَحكم بالحق والعدل ستلتهمه النار الموقدة.” الكنزا ربا اليمين
الترميذا سِنان سامْي الشيخ عَبد الشيخ جادِر الشيخ صَحَنْ