
تُعدّ التعابير المجازية من أبهى مظاهر الفصاحة وعمق التفكير، وهي سمة بارزة في لغات الحضارات القديمة في بلاد الرافدين. فقد لجأت الثقافات السومرية والبابلية والآشورية إلى هذا الأسلوب بوصفه أداة مركزية للتعبير عن مفاهيمها الدينية والأدبية، بل واستخدمته أحياناً كوسيلة لحجب المعارف عن العامة، بحيث لا يدرك أسرارها إلا الخاصّة من أهل المعرفة والانتماء، ممن أُريد لهم فهم العقائد الباطنية للنخب الدينية العالية.
وحيث أنّ الدين المندائي هو دين رافديني بابلي أصيل، فإن حضور المجاز في نصوصه المقدّسة يبدو واضحاً ومكثفاً. ومن تلك التعابير الكثيرة نأخذ أحدها. وهو القول بأن إنساناً ما هو “ابن للإله”، أو أن ملاكاً يُنسب إلى ملاك آخر بوصفه ابناً له. غير أن هذا التعبير لا يُفهم على حقيقته الحرفية، إذ لا يدل على بنوّة بمفهوم بيولوجي، بل يشير إلى منزلة روحيّة رفيعة؛ حيث يُعدّ الإنسان المؤمن الذي نال الوحي أو الإلهام الإلهي بمثابة من اصطفاه الإله وقرّبه، فيرى نفسه ابناً له من حيث الرعاية والهداية ويصف هذه الحالة بالنصوص. وكذلك الحال في عالم الملائكة، حيث تعني “الأبوة” علاقة القيادة والتكليف، لا النسب الجسدي.
وأنّ الذين اقتبسوا نصوص بلاد الرافدين الدينيّة قديماً, كان لهم سوء فهم لهذا التعبير المجازي البسيط, وأتى التحريف الكبير في تاريخ الأديان الذي أشعل ناراً لم تنطفئ بعد ألفي عام ولا تزال متّقدة. حيث أن المجموعة العرقية والدينية التي يخرج منها البشري الذي يتم أعتباره ابناً للإله فأن هؤلاء سوف يصبحون أسياداً على المؤمنين بعقيدتهم لأنهم سيكونون (أقارب مع الإله) وهو الموضوع الذي يفتح الباب أمام ادعاءات التفوق والسيادة لهم, فيأخذون الحصانة الكاملة في العالم والنفوذ والأموال.
—
ولتوضيح بعض جوانب الموضوع أقتبس من كتابي “الإسلام والمندائية وجذورهما البابلية” ما يلي:
“وكذلك فيتم استخدام كلمة الأب كأحد الأسماء الحسنى المندائية, وهي تأتي كتعبير مجازي وبكونه أب لجميع المخلوقات من الملائكة والبشر الذين خلقهم بأمره لتنفيذ إرادته وغايته.
* ” إستَجِبْ لي يا أبي .. إستَجِبْ لي
وانتشلني أيُّها العظيم , يا أبي .. انتشلني “
كتاب الكنزا ربا ( ۲۰۰۰ ) بغداد النسخة العربيّة . مطبعة الديوان . اليمين 177
ونجد في النصوص السومرية والبابلية بأن أحد الآلهة يوصف بأنه أب لإله آخر. وهذا كان يؤخذ أيضاً كمثال على عدم وجود مفهوم التوحيد الحالي. فكيف يولد الإله إلاها آخر؟ وماذا سيكون قدر الإله الجديد أن قرر أن يصبح هو الإله الأعظم؟ ولكن هذا الموضوع يتعلّق أيضاً بفهم المغزى من تلك العبارة. ولأن صيغة التعظيم تتجسد عندما ينسب الإله أو الإنسان نفسه إلى إله آخر أو شخص آخر ويقول بأنه أبيه. وعلى سبيل المثال لو نعود إلى النص السومري الخاص بنزول إنانا إلى العالم السفلي وهي التي كانت مدينتها أوروك, فهي كانت قد أوصت مساعدتها نینشوبور بأنها عند وصولها لهناك فعليها أن تذهب إلى معبد إنليل الإيكور (بيت الجبل) في مدينة نفّر لتتضرّع للإله إنليل وتقول له لا تدع ابنتك تقتل في العالم السفلي, وفي حال لم يستجب لها فالتذهبي إلى معبد نانّا الايكيشنوجال (بيت النور) في مدينة أور وتتضرعي أمام نانّا إله القمر السومري ولتقولي له لا تدع ابنتك تقتل في العالم السفلي, وفي حالة لم يستجب فالتذهبي إلى معبد إنكي الأبسو (بيت العمق) في مدينة إريدو وتتوسلي إلى إنكي وتقولي له لا تدع ابنتك تقتل في العالم السفلي.
الشوّاف , قاسم ( 2001 ) ديوان الأساطير سومر وأكاد وآشور الكتاب الرابع . بيروت . مطبعة دار الساقي . ص59-60
ومن هذا فيتضح بأن الإلهة إنانا كانت تعرّف نفسها على إنها أبنة لكل من إنليل ونانّا وإنكي بنفس الوقت. فكيف يكون هذا إلا لأنها أبوّة مجازيّة, أو بأنهم كانوا أسماء وصفات لإله واحد ولكن ضمن معابد مختلفة.
وكما يتم ذلك في المندائية حيث يتم تبادل الأسماء لنفس الشخصية الملائكية, فهيبل زيوا يدعى أحياناً أبن منداادهيي وهذا أنه ليس أبيه البايولوجي وإنما الذي ناداه. وبثاهيل يدعى أبن أباثر لنفس السبب, وكل من هيبل زيوا وبثاهيل يتم دعوتهما بجبرائيل التي تعني رجل الله والذي هو المُرسل الذي يرسله الإله لمهمات معينة.
أو أنّ إنانا بنسبها نفسها على إنها أبنة لإنليل ولنانا ولإنكي بنفس الوقت هو يتعلق بأبداء الاحترام لهم جميعاً عبر نسبها نفسها كابنة لهم ليرقوا لها ويساعدونها. وقد بينا بوجود فلسفات مختلفة كثيرة في بلاد الرافدين تتفق وتختلف بالعبادة والتوحيد, ولكن الأطر العامة للنصوص والمفردات المستخدمة هي متشابهة.”
النسخة الورقية للكتاب تطلب من المؤلف.
النسخة الإلكترونية
الترميذا سِنان سامْي الشيخ عَبد الشيخ جادِر الشيخ صَحَنْ