لقد كانت عبادات أرض بابل ثرية ومتعدّدة التفاصيل، وتحمل في جوهرها توحيداً خالصاً لله. وقد أطلق البابليون مجازًا على هذا الإله الواحد لقب مردوك، وهو في أحد معانيه “رداء الخالق”؛ إذ لم يكونوا يعرفون ماهية الخالق بذاته، لكنهم عرفوه من صفاته وأسمائه الحسنى التي اعتبروها بمثابة الرداء الذي يجلّله. وهذه الأسماء الحسنى البابلية ما تزال محفوظة في النصوص الدينية للمندائيين والمسلمين بتفاصيلها وروحها.
باقر, طه (1976): مقدمة في أدب العراق القديم. بغداد. مطبعة جامعة بغداد. ص78
وقد كان الباحث هنري لايارد أوستن وغيره من المستشرقين المحايدين الذين كانوا موجودين في نهايات القرن 19 قبل صعود بريطانيا الاستعمارية وتزوير التاريخ، بأن ديانة بابل وآشور كانت على الدين الصابئي، مستندين في ذلك إلى التطابق الواضح في الفلسفة والعبادة والتعاليم.
Layard, Austen Henry. (1849). Nineveh and Its Remains Volume II. London. P439-440
لكن أرض بابل، منذ سقوطها بيد الفرس في القرن السادس قبل الميلاد، مرّت بقرون طويلة عجاف، تراكمت خلالها الأكاذيب والتحريفات التي ألصقها أعداؤها بها. ومن أبرز تلك التشويهات اتهام البابليين بالوثنية وتعدّد الآلهة، متجاهلين أن عباداتهم امتدّت لآلاف السنين وكانت متنوّعة بحسب المدن والمعابد، وأن ما وصل إلى الباحثين عبر الألواح المكسورة والمنقوصة لا يكفي لإطلاق أحكام عامة على حضارة كاملة ولكامل تاريخها.
وفي القرن العشرين، سعت بعض المجموعات المتنفّذة التي تكره أرض بابل إلى إضافة المزيد من التحريفات على تراثها الديني، وكان من أخطرها ما ورد في ترجمات الباحث الإسرائيلي الكبير صمويل نوح كريمر للنصوص المسمارية. إذ ركّز في ترجماته على محاولة وضع تعدّد الآلهة، فترجم على سبيل المثال كلمة دنجر /دنكر — التي تعني “ملاك” — على أنها “إله”.
كما أضاف كلمات غير موجودة في النصوص الأصلية بهدف فصل أصول السومريين عن البابليين وعدم نسبهم إلى أرضهم وباعتبارهم مهاجرين. وقد كشف البروفسور نائل حنون في كتابه حقيقة السومريين الكثير من هذه التحريفات وبيّن أثرها على فهم تاريخ بلاد الرافدين.
حنون, نائل (2007) : حقيقة السومريين، ودراسات أخرى في علم الآثار والنصوص المسمارية, دار الزمان الطبعة الأولى, دمشق سوريا. ص24
فمتى ينهض أحفاد بابل وآشور من سباتهم الطويل، ليعيدوا اكتشاف عظمة أجدادهم، ويمنحوا تلك الحضارة حقّها من الفخر والإنصاف؟
الترميذا سِنان سامْي الشيخ عَبد الشيخ جادِر الشيخ صَحَنْ